رواية عاشق من جنين - الجزء الثالث والأخير التاريخ: 2006-08-29 19:30:27
الجزءالثالث والأخير من
عاشق من جنين
تأليف
رأفت حمدونة
سجن نفحه الصحراوى
ضحى عشرات المصلين بأرواحهم وحياتهم لمنع هذه الخطوةالتي كانت شرارة انطلاق انتفاضة الأقصى لتحقيق الحرية والاستقلال . خرج الشعبالفلسطيني بأطفاله وشبابه ونسائه وشيوخه لمظاهرات ومواجهات جابت كل الشوارع ، نصرةًللأقصى وتأبيناً لشهدائه الأبطال .
لم يدع الجيش اليهودي جموع المتظاهرين يُعِّبرون عنغضبهم ورفضهم لسياسة التهويد اليهودي لمدينة القدس وتدمير المسجد الأقصى ، فأطلقالنار وقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات بدون رحمة ولا تمييز في كل الاتجاهات عليالأطفال العُزَّل الذين واجهوا بالحجر همجية الجيش المدجج بالسلاح .
صمد الشعب الفلسطيني ببسالة في وجه أعتى ترسانة عسكريةفي المنطقة ، وتطورت أشكال مقاومته ، فأعطوا دروساً في النضال والمقاومة .
جُنَّ جنون قادة الجيش والدولة اليهودية ، الذين لميتوقعوا هذا الكم عندهم من الخسائر البشرية والاقتصادية ، والهزائم العسكريةالمتلاحقة ، فقتلوا الأبرياء الرضع في مهدهم ، والأطفال في أحضان آبائهم وعلي مقاعدالدراسة ، واقتلعوا الشجر وحوّلوا الحدائق والمزارع والبساتين إلي كومة مكسرة منالحطب وهدَّموا البيوت علي رؤوس أهلها ، و أزالوا مناطق سكنية واسعة ، وسووهابالأرض ، ودمروا المساجد والمدارس والكنائس والمؤسسات والمصانع والشوارع والجسوروالمستشفيات ، فقتلوا وجرحوا عشرات الآلاف من شعب أعزل أغلبهم من المدنين والآمنين .
حقد خليل على الذين باعوا ضمائرهم ودينهم وشعبهمووطنهم مقابل حفنة تافهة من المال ، فكان المتعاون مع العدو في نظره أشد خطراً منالاحتلال نفسه ، فمعظم شرفاء الوطن وأبطاله ومقاوموه ذهبوا ضحية في اعتقالهم أواغتيالهم لخيانة هؤلاء العملاء الذين قدمَّوا المعلومات لمخابرات العدو وأجهزة أمنه، ورصدوا تحركات المقاومين ، وحددوا مساكنهم ومواقعهم وتواجدهم ، وجعلوهم لقمةًسائغة وهدفاً سهلاً لطائرات العدو وصواريخه .
استخدم هذا الجيش في حربه الإرهابية والبربرية كلأنواع الأسلحة المحرمة دولياً من غاز الأعصاب ، وقنابل الغاز الخانق، والرصاص المتفجر وقذائف الدبابات ، وكل أنواع الطائرات الأمريكية.
لم يَسلم بيت من شهيد أو جريح أو معتقل أو متضرر فيمصنع أو بيت أو مزرعةأو مصدر رزق ، فعاني معظم الشعب من الفقر وبات أبناؤه دون لقمة العيش .
لم يجد الشعب الفلسطيني الذي قاتل اليهود نيابة عنالعرب والمسلمين لحماية المسجد الأقصى في انتفاضته من يتضامن معه في معركة الأمةالتي انفرد بها ، وتحمل تكاليفها وأعباءها ، فلم تسانده الجماهير معنوياً ولامادياً بالسلاح وبتوفير لقمة العيش للجياع من أبناء شهدائه أو مقعديه أو معتقليهالذين امتلأت سجون العدوبهم ، أو في إيجاد المأوي لمن تهجروا وتدمرتبيوتهم .
وجد الشعب الفلسطيني نفسه وحيداً في هذه المعركةالمقدسة ، التي كان يجب أن يشاركه فيها كل المسلمين والعرب ، ففي اللحظة التي كاندمه يراق ويسكب علي الأرض ، كانت كؤوس الخمر تصب علي الموائد ، وفي اللحظة التي كانينام فيها الشعب الفلسطيني علي أزيز الرصاص ، كانت تقام الحفلات والأغاني الماجنةوالراقصات علي شاشات التلفاز ، وكانت أكثر العبارات كرهاً علي مسامع الفلسطينيين هيعبارات وتصريحات الرفض والشجب والاستنكار .
لم يترك الحاج أبو حسن نشرة من نشراتالأخبار حتى استمع لها، وأشد ما كان يغضبه هو نتائج جلسات مجلس الأمن والشعوربالظلم في عدم التدخل لحماية الشعب الفلسطيني من إرهاب جيش الاحتلال ،ونتائج القمم العربية والإسلامية التي غالبا ما تتحول إلي منبر لتراشق الاتهاماتوتبادل اللعنات والشتائم . كان على يقين بأن هنالك تجاهل مقصود اشترك فيه الجميعبهدف كسر إرادة وعزيمة هذا الشعب العظيم والعنيد والمكافح ، والنموذجالأرقى في الجهاد والتضحية والصبر والعطاء والمقاومة .
كان الحاج أبو حسن يقول لخليل ومحمود وسامي وعدنانالأمل فيكم يا أبطال ، فجنين التي تأكلون من خيرها وتربيتم في أزقة مخيمها ارتوتبدماء الشيخ المجاهد عز الدين القسام ورفاقه في أحراش يعبد .
هذه الانتفاضة هي تواصل لانتفاضة النبي موسى التيانطلقت من القدس ، وانتفاضة يافا ، وهبة البراق ، والخليل ، وتكملة لجهاد جدكم عبدالقادر الحسيني والقسطل ،وانتفاضة الحجارة ، والنفق حتى الأقصى . عليكم أن تكونوا فساميين في خياركم، فكل العالم يراقب صمودكم ، فأنتم جنود الوعد الآخر ، وأنتم الفئة المؤمنة التيمدحها رسول الله ( ص ) ، وأنتم أحباب الله ورسوله علي هذه الأرض المباركة والمقدسة .
تصدر محمود وخليل قيادة المخيم والوقوف من خلف تنفيذالعمليات العسكرية والاستشهادية .
فكانت قيادة دولة الاحتلال تري في مخيم جنين بؤرةانطلاق الاستشهاديين ، واستطاع المجاهدون من جنين علي قلة الإمكانيات المادية أنيحققوا توازن الرعب مع الدولة العبرية،حينها أجمعت قيادة العدو علي تنفيذ مذبحة همجيةومجزرة بشعة لهذا المخيم المكافح والبطل 0
كان خليل ومحمود علي رأس قائمة المطلوبينللعدو ، الذين رأوا فيهم مهندسي العمليات ، فاستعد الصديقان بصحبة المقاومين بوحدةميدانية رائعة وثقة إيمانية عالية بنصر الله ، لمواجهة أرتال الدبابات والمعداتالعسكرية وآلاف الجنود المدججين بالسلاح .
ذهب خليل لوداع أهله فقبل أمه وجبين سهام وأوصاهابأبنائها ، ثم ودع جدته ووقف أمام جده وقال :
-لن أنسي وصيتك يا جدي وسنجعل من جنينقصة بطولية وأسطورة تاريخية تُحكي للأجيال . عانق الجد أبو حسن حفيده وتلميذه فقبلهودعا له ولصديقه والمجاهدين بالنصر.
حضر محمود ببزته العسكرية ممتشقاً سلاحه ومتطوقاًبحزام ناسف على جسده ليودع أخته سهاماً وأولادها بعد أن ودع والديه وأهله ، شعرتسهام أن أخاها يودعها الوداع الأخير ، فظهر ملاكاً بصورة رجل ، مسح محمود دموع أختهسهام التي تأثرت من هذه اللحظات ، فناولهاصندوقاً من الحلويات لتعطيه لأمه لتوزيعهإذا ما سمعت بخبر استشهاده ، وطلب منهم ألا يبكوه .
أخرج محمود مصحفاً صغيراً من جيبه وتناول رصاصة منمخزن سلاحه ووضعها في يد الطفل الذي تحمله سهام وأوصاها أن تربي عليها أبنائها .
توزع المجاهدون علي كل بوابات المخيم ، وانتشروا فيأزقته ، فأقاموا الكمائن والخطط العسكرية ، وجهزوا أسلحتهم وعبواتهم الناسفة التيتم تصنيعها يدوياً وميدانياً ، وأعلن الجيش عن بدء المعركة .
حلقت طائرات دولة الاحتلال في سماء المخيم ، وأخذتتلقي بحممها وصواريخها علي كل جسم متحرك في أي مكان منه وحاول الجيش اقتحامه مراتعديدة .
طلب الجيش من سكان المخيم عبر مكبرات الصوت بالخروجمنه كما طلب من المقاومين بتسليم أنفسهم ، فلم يخرج إلا عدد قليل من المرضيوالأطفال وكبار السن والنساء .
أقسم الحاج أبو حسن علي ألا يخرج من بيته بعد الهجرةحتى ولو دفن فيه.
عمد الجيش علي قطع المياه والتيار الكهربائي ودخولسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمعونات.
كان كل العالم يشارك جيش الاحتلال في ارتكاب جريمتهوهو يراقب المجزرة القائمة دون أن يحرك ساكناً أو ينتصر ولو إعلامياً للشعب الأعزل، الذي يقود ملحمة بطولية عظيمة ومعركة تاريخية أسطورية وغير متكافئة .
اشتدت المحنة علي أهل المخيم الذين امتنعوا عن الحركةداخل بيوتهم ، فاقتصدوا في الطعام والشراب في محاولة لتحقيق الصمود والانتصار .
أقام خليل مركزاً لقيادة المقاومة في أحد البيوت ،فأعد غرفة للتموين وثانية للسلاح وثالثة للتخطيط والرابعة لعلاج الجرحى ، وكان علياتصال دائم بمعظم المجاهدين وتصله أخبارهم ، وتحركات الجيش عبر عيون تم توزيعها فيكل الأزقة .
وزع خليل أدوار أصحابه والمقاومين من شباب المخيم فكانوا يتبادلونالأدوار والمهمات والراحة ما أمكن لاستئناف المقاومة . كان يقول لأصحابه نحن أعددناما استطعنا من قوة وإمكانيات متاحة ولكن النصر من عند الله ، فعليكم بالتوكل والذكر والقرآن حتى وسط المعركة .
كان للصيام دور كبير في تسيير المعركة وإعدادالمجاهدين والشوق للقاء الله والشهادة ، كما أنه كان حاجة للصمود لشحة الطعاموالشراب .
لم يتوقع جيش الاحتلال صموداً رائعاً كالذي واجهه فيتلك الأيام ففي اليوم الأول أمطر المخيم بوابل من القذائف والصواريخ ، وهم الجيشباقتحام المخيم إلا أنه واجه قتالاً أسطورياً ، فأعطب المقاومون دبابتين وجرافةضخمة ، واستولي الأبطال علي ثلاث بنادق رشاشة تركها الجيش الجبان لحظة تراجعه .
لم تجد الأمهات وسيلة لتهدئة الأطفال الذين ارتجفوا منزخات الرصاص ودوي الطائرات وحركة الدبابات ولم يتمكن المجاهدون من نقل الجرحىوتقديم العلاج للمصابين اللذين بقوا ينزفون حتى الشهادة .
تكررت عمليات الاقتحام للجيش وتكررت عمليات التصديوالصمود ، فدب الرعب في قلوب جنود الاحتلال حتى البكاء ، فتراجعوا جزعاً من حتميةالموت الذي شهدوه علي اثنين من جنودهم .
وفي صباح اليوم الثاني قرر قادة جيش الاحتلال دخولالمخيم ولو بمجزرة ، فحرقوا بيتاً وقتلوا كل من فيه من الأبرياء ، واستطاع عدنانقتل جندي ثالث وإصابة أربعة آخرين .
بدأت المعركة مبكرة في فجر اليوم الثالث ، فتيمم خليللقلة المياه التي انحصرت إلا للشرب وصلي الفجر ثم قصد التحرك لاستطلاع شوارع المخيمالذي كان يضج بالانفجارات ، فصادف في طريقه جثثاً ممزقة ومتفحمة .
ولقد داست الدبابات والجرافات جدران البيوت في اليومالرابع ، فهدمتها علي رؤوس ساكنيها .
لم يهنأ جيش الاحتلال بخطوته التي رأي فيها جزءاً منخطته للسيطرة علي مخيم جنين ، حتى تزلزلت الأرض من تحت أقدامه ومعداته وآلاتهالعسكرية بفعل قافلة الشهداء التي تسابقت للقاء الله ونصرة شعبها ورفع هامته .
وفي اليوم الخامس لم يرَرئيس أركان الحرب بُداً إلا من الإشراف بنفسه علي المذبحة عبر طائرة عمودية حلّقتفي سماء المخيم . كان يشهد بالعظمة لهؤلاء المقاتلين الذين لم يرَ أمثالهم في كلالحروب السابقة منذ قيام كيانهم مع دولٍ وجيوش ، واعترف قائد الحرب عبرالإعلام بشراسة المقاومة التي خلّفت ثلاثة قتلي آخرين من صفوفه وأدرك عواقبالانسحاب وانعكاسها علي مصير جيشه أمام عناد المجاهدين ، فقرر التواصل في المعركة .
كانت الاشتباكات متواصلة علي مر الساعات ، استهجن رئيس الوزراء الصهيونى الأنباءالتي يتلقاها ، فأصر في اليوم السادس أن يستطلع المعركة بنفسه .
منع جيش الاحتلال إدخال الطواقم الطبية للمخيم وسياراتالصليب ، وحتى إمداد الأهالي باليسير من الضروريات المعيشية والطبية ، واستطاع جيشالاحتلال اقتحام أجزاء من المخيم الأمر الذي زاد من إصرار المقاومين علي التصدي .
استبسل أحفاد الجد أبي حسن في المعركة ، كان سامييتطوق كما محمود بحزام ناسف ، وخلال المقاومة أصيب بشظايا قذيفة أقعدته ، أسرععدنان لإسعافه فرفض ، قبَّل سامي أخاه مودعاً وأوصاه بالسلام علي أمه وأهله وجده ،أصر سامي علي عدنان لتركه ، ليستقبل بجسده قوات الاحتلال التي تقترب منه داخلالمخيم ، ابتسم سامي لهذا القدر ، وحين وصولهم ذكر الله وكبر ثم تفخَّر فيهم ، فقتلجنديين وأصاب ثمانية آخرون ، فأعاق زحف الآليات العسكرية لقلب المخيم .
تعاهدالمقاومون علي الشهادة في اليوم السابع من الحصار بعد أن قاربت ذخيرتهم والطعاموالشراب علي النفاذ فأعلنوا النفير تصدياً للاحتلال و تفاجأ المقاومون بعدد منالنساء والشيوخ والأطفال اللذين أرغموا علي الخروج من المخيم جوعاً وعطشاً ،فاستخدمهم جيش الاحتلال كدروع بشرية ، ليستر بهم جبنه ويحمي بهم نفسه .
علم خليل ومحمود بحصار جيش الاحتلال لمجموعة مقاتلةاُستُنفدَت ذخيرتها في أحد البيوت ، فخرج بمعية أصحابه لإنقاذهم ، دخل خليل ومحمودمعركة بطولية مُشَرِّفة دامت ساعات من الاشتباكات وتبادل لإطلاق النار الكثيف ،فاستعان الجيش بالطائرات العمودية التي غطت المنطقة بالصواريخ ، فاستطاعوا محاصرةالبيت واعتقال المقاومين الستة الذين كانوا بداخله .
جَّرد الجيش المقاتلين من ملابسهم أمام أعين الأهاليالذين احتمي بهم ، ووضعهم صفاً واحداً مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين ثم أطلق النارعلي رؤوسهم وصدورهم فمزقهم علي مرأى الأمهات . اشتد الخناق في اليوم الثامن عليالمجاهدين ، فنحفت أجسادهم من الجوع والعطش واصفرت وجوهم من السهر والتعب ، ولميتبق في جعبتهم إلا القليل من الأسلحة ، فأوصي خليل المقاومين بالدقة في إصابةالهدف وعدم استهلاك الذخائر إلا في جسد العدو. تقدم جيش الاحتلال في قلب المخيم الذي تحول إلي ساحةواسعة من الركام ، و
نفدت الذخيرة من محمود ولم يَتبق إلا الحزام الناسفعلي جسده ، فأبي الاستسلام الذي سيعيده للسجن مرة ثانية ، كان يدرك أن الجيش سوفيقصد بيته في محاولة لاعتقاله ، فأقسم أن يلقنهم درساً لن ينسوه، قبَّل محمود خليلمودعاً إياه وأوصاه بنفسه والمناضلين وبأخته سهام وأبنائها ، وتواعدا علي اللقاءعلي حوض الرسول ( ص ) في الجنة ، تعانق الصاحبان بحرارة ودموع .
كان محمود سعيداً بأمنية الشهادة وكأنه يري مكانه فيالجنة ، ويستعجل تلك اللحظة ليرتقي إلي العُلى مسجلاً لشعبه صفحة ناصعة وجميلةومشرفة في التاريخ .
توغل الجيش في قلب المخيم الذي داهم المطلوبين وكانيقترب من بيت محمود الذي تحصن فيه ، فوصل لأطراف المنزل عشرات الجنود ،ففاجئهم محمود ورفاقه بوابل من الرصاص والعبوات ، فعلا صراخهم وعويلهم واستجدائهم للبقاء على حياتهم دون جدوى ، فاعترف جيش الاحتلال بمقتل ثلاثة عشر جندياً وأصابة تسعة آخرينبجروح متفاوتة .
أصيب جيش الاحتلال بالهلع والخوف وتحولت كل الأرض منتحت أقدامهم لبركان يغلي غضباً وشعروا أن الموت يطاردهم في كل مكان ، فلم يشعروابأمنهم في مواقعهم وبرهم وبحرهم ومستوطناتهم ، وفي الحافلات والأسواق والملاهي وفيكل مكان
بدأت الطائرات بإلقاء حممها على مناطق التماس مع جيش الاحتلال التى يتصدرها محمود ،شاهد المجاهدون محمود على بعد أمتار منهمفى محاولة منه بتكبيدهم خسائر أخرى، وإذا بقناص يطلق عليه الرصاص مستهدفاً العبوة التى كان يحملها ....فانفجرت .... وتبعثر جسده الطاهر فى كل الاتجاهات يُشْهِِد العالم أجمع على صدقه وإخلاصه وبطولة وجرأة وتضحيات الشعب الفلسطيني على قلة إمكانياته .
علم خليل باستشهاد صديقه محمود وفي اليوم التاسع منحصار المخيم قاتل قتالاً شرساً، وأقسم أن يخلص لدمه ، فاستنفر أبطال المخيم فيمعركة متواصلة وحاسمة .
دخل جيش الاحتلال وسط المخيم فهدموا بيت الحاج أبي حسنوالمنطقة المحيطة به ، فتحول المخيم إلي ساحة مدمرة.
واجه خليل ورفاقه أرتال الدبابات والجرفات واستطاعواقتل جنديين في ذلك اليوم ، وفي نهاية اليوم التاسع
حاصر جيش الاحتلال مجموعة من المجاهدين الذين أبلوا وأبدعوا فى القتال طوال المعركة وقبلها واعتقلتهم
انسحب جيش الاحتلال منالمخيم بعد أن ارتكب في حق الأبرياء جريمة تقشعر لها الأبدان ، ومذبحة تعبر عن جيشفاقد لأدني الأخلاق العسكرية والإنسانية ويمثل دولة قائمة علي الظلم والإرهابوالفساد والتخريب .
انتصر أبطال المخيم علي جيش الاحتلال وترسانتهالعسكرية ،وعلي الجوع والعطش والتعب .
كانوا عمالقة في نضالهم ، وعظماء في تحديهم وأبطال فيصمودهم وكبريائهم وتضحياتهم.
دخلت وسائل الإعلام ونقلت آثار الجريمة وكأن المخيمتعرض لزلزال قوي فدمره ، وقلبه رأساً علي عقب ، وكانت رائحة الموت تنبعث من عشراتالجثث الملقاة في الشوارع والأزقة . سارع أهل المخيم لمحاولات إنقاذ الأحياء من تحتأنقاض البيوت المدمرة .
كان خليل علي يقين بأن جده لن يخرج من بيته ثانية لالحيفا ، فتأكد بوجوده تحت الأنقاض ، تعاون شباب المخيم بآليات بسيطة في محاولةلإنقاذ الحاج أبي حسن من بين الركام والجدران المهدمة . أُغميً علي الحاجة أم حسنالتي لم تتحمل الخبر ، ولم تتوقع ما حدث ، فنقلوها بصحبة ابنتها فاطمة إلي المستشفى، كانت نعمة بحالة نفسية صعبة ، حيث خبر استشهاد ابنها سامي ، وفقدان والدها تحتالركام ، وإغماء أمها ونقلها إلي المستشفى .
أخذ خليل يرفع الركام بيديه ، ولميتطلع لشيء سوي إنقاذ جده الأحب إلي قلبه ، فاستطاع بصحبة الأهالي إحداث حفرة بينالجدران المهدمة ، نادى خليل علي جده من الشقوق ، فلم يسمع ما يطمئنه ، لم يشعرباليأس وظن أن الجد أصابه الإرهاق والتعب من الجوع والعطش ، فواصل مع الأهالي إزالةالركام حتى تمكن من النزول بنفسه وسط الغرفة المظلمة ، فعثر علي جده الذي لم يتكلم، رفع يده وتركها فسقطت ، ثم وضع أذنيه علي صدره فلم يشعر بحراك ، فتناول يده وفحصنبضه فتأكد أنه ما زال علي قيد الحياة .
رفع خليل جده بين ذراعيه بمساعدة الأهاليونقلوه علي وجه السرعة إلي المستشفى ، طمأن الطبيب خليل علي جده الذي توقع معافاتهبعد ساعات ، فبقي بجانبه حتى بدأ بالهمس ثم فتح عينيه .
لم يترك خليل زوجته سهام فيمصيبتها والتي بكت أخاها بكاءً مُراً كلما تذكرت لحظات وداعه وكلماته .
-وَاسَى خليل زوجته وقال : مثل محمود لا يُبكَي يا سهامأخوك بطل وقليل أمثاله ، فيا ليتني وأبنائي وكل الشعب مثل محمود ، إذا كان لابد منالبكاء ، فيكون علي الجبناء والمتخاذلين والشعوب النائمة والأمة التي ماتت .
لن ننسي محموداً الذي وهبني إياك ودبًّ في قلبي الحياة، وسأبقي أتذكره في كل اللحظات.
و لم يمر أسبوع علي مجزرة المخيم حتى أعلن خليل بنفسهالمسئولية عن العملية الاستشهادية التي نفذها فدائي بطل من مخيم جنين وأسفرت عن مقتلعدد من الجنود رداً علي المذبحة وعلي استشهاد صديقه محمود.
نفذ أبطال جنين العمليات العسكرية بعد احتلال المخيمالذي لم ينكسر ، فبقوا مثلاً رائعاً في التحدي والتضحية .
وصمد الشعب الفلسطيني فى انتفاضة الأقصى خمسة أعوام متتالية من القتال والمقاومة سبقتها عشرات السنين بلا كلل أو ملل، وشارك فى التضحية بوحدة ميدانية مشرَفةالمواطن والعامل والموظف والفلاح والطالب والمتعلم والمثقف والأمي والتاجر والصانع ،وكل الفصائل الوطنية والإسلامية وأذرعها العسكرية،والسلطةالوطنية الفلسطينية وكل الأجهزة الأمنية ، وقدَّم كل الشعب الفلسطيني وما زال يقدم الشهداء والأسرى والجرحى ، واستطاع أن يحرر أرضاً محتلة ويُزيل مستوطنات صهيونيةبقوة السلاح على أطراف مخيم جنين وقطاع غزة ، فنُكس العلم الإسرائيليبأيادي صهيونية بعد أن خربوا - بتوفيق الله -بيوتهم بأيديهموأيدي المؤمنين ،وفى يوم الاثنين فى الثاني عشر من سبتمبر 2005م - في الثامن من شعبان 1426هجرى تم تحرير قطاع غزة ، ورُفع العلم الفلسطيني فوق المناطق المحررة ، ودخل عشرات الآلاف من الأهالي المستوطناتالمحررة بالزغاريد ، وإطلاق النار، والهتافات ورفع صور الشهداء والأسرى مستذكرين كل الدماء التى سالت على أطرافها وقلبها ،ونقَل كل العالم عبر إعلامه إنجاز الشعب الفلسطيني بعد سيل من الدماء والصبر والصمود والتحدي .
مرت الأيام علي خليل الذيوهب حياته للجهاد والمقاومة ، وفي إحدى الليالي عاد لبيته فرأي جده العجوز أبا حسنيلاعب أطفاله ويرسم لهم خارطة الوطن ويقول :
هذه حيفا ، وهذا مفتاح بيتنا فيها ، وهذهالأوراق تثبت ملكيتنا لعشرات الدونمات لحقولها وبساتينها ، وهي أمانة في أعناقكم ،ولن تعود إلا بهاذين ...وأشار بأصابعه التي ترتجف... إلي القرآن والرصاصة التي أهداهامحمود قبل استشهاده إلي أطفال أخته سهام ، فسُعِدَ خليل بوصايا جده الذي لم يتعب، وتقدم نحو الباب بخطوات فسأله الجد :
-إلى أين يا خليل؟
-فأجاب بعزة وفخر :لازلنا في بداية الطريقيا جدي، فلا زالت القدس و كل الضفة محتلة 0
-استنكر الجد إجابةحفيده وقال :
-أيضاً عسقلان ويافا وحيفا والجليل والنقب يا بني ، فهذه حتمية قرآنية وإن لم نكون نحن جنودها فإن شاء الله أبناءك أو أبنائهم .
- ابتسم خليل في وجه جده وقال :
-لن ننسَ وصاياك يا جدي ، ثم امتشق سلاحه وذهب.
انتهت بحمد لله-سجن نفحه الصحراوي-طبعة ثانية2005م
انتهى الجزء الثالث والأخير من رواية
عاشق من جنين
الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية
http://www.alasra.ps//news.php?maa=View&id=152
الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية - رواية عاشق من جنين - الجزء الثالث والأخير
رواية عاشق من جنين - الجزء الثالث والأخير
التاريخ: 2006-08-29 19:30:27
الجزءالثالث والأخير من
عاشق من جنين
تأليف
رأفت حمدونة
سجن نفحه الصحراوى
ضحى عشرات المصلين بأرواحهم وحياتهم لمنع هذه الخطوةالتي كانت شرارة انطلاق انتفاضة الأقصى لتحقيق الحرية والاستقلال . خرج الشعبالفلسطيني بأطفاله وشبابه ونسائه وشيوخه لمظاهرات ومواجهات جابت كل الشوارع ، نصرةًللأقصى وتأبيناً لشهدائه الأبطال .
لم يدع الجيش اليهودي جموع المتظاهرين يُعِّبرون عنغضبهم ورفضهم لسياسة التهويد اليهودي لمدينة القدس وتدمير المسجد الأقصى ، فأطلقالنار وقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات بدون رحمة ولا تمييز في كل الاتجاهات عليالأطفال العُزَّل الذين واجهوا بالحجر همجية الجيش المدجج بالسلاح .
صمد الشعب الفلسطيني ببسالة في وجه أعتى ترسانة عسكريةفي المنطقة ، وتطورت أشكال مقاومته ، فأعطوا دروساً في النضال والمقاومة .
جُنَّ جنون قادة الجيش والدولة اليهودية ، الذين لميتوقعوا هذا الكم عندهم من الخسائر البشرية والاقتصادية ، والهزائم العسكريةالمتلاحقة ، فقتلوا الأبرياء الرضع في مهدهم ، والأطفال في أحضان آبائهم وعلي مقاعدالدراسة ، واقتلعوا الشجر وحوّلوا الحدائق والمزارع والبساتين إلي كومة مكسرة منالحطب وهدَّموا البيوت علي رؤوس أهلها ، و أزالوا مناطق سكنية واسعة ، وسووهابالأرض ، ودمروا المساجد والمدارس والكنائس والمؤسسات والمصانع والشوارع والجسوروالمستشفيات ، فقتلوا وجرحوا عشرات الآلاف من شعب أعزل أغلبهم من المدنين والآمنين .
حقد خليل على الذين باعوا ضمائرهم ودينهم وشعبهمووطنهم مقابل حفنة تافهة من المال ، فكان المتعاون مع العدو في نظره أشد خطراً منالاحتلال نفسه ، فمعظم شرفاء الوطن وأبطاله ومقاوموه ذهبوا ضحية في اعتقالهم أواغتيالهم لخيانة هؤلاء العملاء الذين قدمَّوا المعلومات لمخابرات العدو وأجهزة أمنه، ورصدوا تحركات المقاومين ، وحددوا مساكنهم ومواقعهم وتواجدهم ، وجعلوهم لقمةًسائغة وهدفاً سهلاً لطائرات العدو وصواريخه .
استخدم هذا الجيش في حربه الإرهابية والبربرية كلأنواع الأسلحة المحرمة دولياً من غاز الأعصاب ، وقنابل الغاز الخانق، والرصاص المتفجر وقذائف الدبابات ، وكل أنواع الطائرات الأمريكية.
لم يَسلم بيت من شهيد أو جريح أو معتقل أو متضرر فيمصنع أو بيت أو مزرعةأو مصدر رزق ، فعاني معظم الشعب من الفقر وبات أبناؤه دون لقمة العيش .
لم يجد الشعب الفلسطيني الذي قاتل اليهود نيابة عنالعرب والمسلمين لحماية المسجد الأقصى في انتفاضته من يتضامن معه في معركة الأمةالتي انفرد بها ، وتحمل تكاليفها وأعباءها ، فلم تسانده الجماهير معنوياً ولامادياً بالسلاح وبتوفير لقمة العيش للجياع من أبناء شهدائه أو مقعديه أو معتقليهالذين امتلأت سجون العدوبهم ، أو في إيجاد المأوي لمن تهجروا وتدمرتبيوتهم .
وجد الشعب الفلسطيني نفسه وحيداً في هذه المعركةالمقدسة ، التي كان يجب أن يشاركه فيها كل المسلمين والعرب ، ففي اللحظة التي كاندمه يراق ويسكب علي الأرض ، كانت كؤوس الخمر تصب علي الموائد ، وفي اللحظة التي كانينام فيها الشعب الفلسطيني علي أزيز الرصاص ، كانت تقام الحفلات والأغاني الماجنةوالراقصات علي شاشات التلفاز ، وكانت أكثر العبارات كرهاً علي مسامع الفلسطينيين هيعبارات وتصريحات الرفض والشجب والاستنكار .
لم يترك الحاج أبو حسن نشرة من نشراتالأخبار حتى استمع لها، وأشد ما كان يغضبه هو نتائج جلسات مجلس الأمن والشعوربالظلم في عدم التدخل لحماية الشعب الفلسطيني من إرهاب جيش الاحتلال ،ونتائج القمم العربية والإسلامية التي غالبا ما تتحول إلي منبر لتراشق الاتهاماتوتبادل اللعنات والشتائم . كان على يقين بأن هنالك تجاهل مقصود اشترك فيه الجميعبهدف كسر إرادة وعزيمة هذا الشعب العظيم والعنيد والمكافح ، والنموذجالأرقى في الجهاد والتضحية والصبر والعطاء والمقاومة .
كان الحاج أبو حسن يقول لخليل ومحمود وسامي وعدنانالأمل فيكم يا أبطال ، فجنين التي تأكلون من خيرها وتربيتم في أزقة مخيمها ارتوتبدماء الشيخ المجاهد عز الدين القسام ورفاقه في أحراش يعبد .
هذه الانتفاضة هي تواصل لانتفاضة النبي موسى التيانطلقت من القدس ، وانتفاضة يافا ، وهبة البراق ، والخليل ، وتكملة لجهاد جدكم عبدالقادر الحسيني والقسطل ،وانتفاضة الحجارة ، والنفق حتى الأقصى . عليكم أن تكونوا فساميين في خياركم، فكل العالم يراقب صمودكم ، فأنتم جنود الوعد الآخر ، وأنتم الفئة المؤمنة التيمدحها رسول الله ( ص ) ، وأنتم أحباب الله ورسوله علي هذه الأرض المباركة والمقدسة .
تصدر محمود وخليل قيادة المخيم والوقوف من خلف تنفيذالعمليات العسكرية والاستشهادية .
فكانت قيادة دولة الاحتلال تري في مخيم جنين بؤرةانطلاق الاستشهاديين ، واستطاع المجاهدون من جنين علي قلة الإمكانيات المادية أنيحققوا توازن الرعب مع الدولة العبرية،حينها أجمعت قيادة العدو علي تنفيذ مذبحة همجيةومجزرة بشعة لهذا المخيم المكافح والبطل 0
كان خليل ومحمود علي رأس قائمة المطلوبينللعدو ، الذين رأوا فيهم مهندسي العمليات ، فاستعد الصديقان بصحبة المقاومين بوحدةميدانية رائعة وثقة إيمانية عالية بنصر الله ، لمواجهة أرتال الدبابات والمعداتالعسكرية وآلاف الجنود المدججين بالسلاح .
ذهب خليل لوداع أهله فقبل أمه وجبين سهام وأوصاهابأبنائها ، ثم ودع جدته ووقف أمام جده وقال :
-لن أنسي وصيتك يا جدي وسنجعل من جنينقصة بطولية وأسطورة تاريخية تُحكي للأجيال . عانق الجد أبو حسن حفيده وتلميذه فقبلهودعا له ولصديقه والمجاهدين بالنصر.
حضر محمود ببزته العسكرية ممتشقاً سلاحه ومتطوقاًبحزام ناسف على جسده ليودع أخته سهاماً وأولادها بعد أن ودع والديه وأهله ، شعرتسهام أن أخاها يودعها الوداع الأخير ، فظهر ملاكاً بصورة رجل ، مسح محمود دموع أختهسهام التي تأثرت من هذه اللحظات ، فناولهاصندوقاً من الحلويات لتعطيه لأمه لتوزيعهإذا ما سمعت بخبر استشهاده ، وطلب منهم ألا يبكوه .
أخرج محمود مصحفاً صغيراً من جيبه وتناول رصاصة منمخزن سلاحه ووضعها في يد الطفل الذي تحمله سهام وأوصاها أن تربي عليها أبنائها .
توزع المجاهدون علي كل بوابات المخيم ، وانتشروا فيأزقته ، فأقاموا الكمائن والخطط العسكرية ، وجهزوا أسلحتهم وعبواتهم الناسفة التيتم تصنيعها يدوياً وميدانياً ، وأعلن الجيش عن بدء المعركة .
حلقت طائرات دولة الاحتلال في سماء المخيم ، وأخذتتلقي بحممها وصواريخها علي كل جسم متحرك في أي مكان منه وحاول الجيش اقتحامه مراتعديدة .
طلب الجيش من سكان المخيم عبر مكبرات الصوت بالخروجمنه كما طلب من المقاومين بتسليم أنفسهم ، فلم يخرج إلا عدد قليل من المرضيوالأطفال وكبار السن والنساء .
أقسم الحاج أبو حسن علي ألا يخرج من بيته بعد الهجرةحتى ولو دفن فيه.
عمد الجيش علي قطع المياه والتيار الكهربائي ودخولسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمعونات.
كان كل العالم يشارك جيش الاحتلال في ارتكاب جريمتهوهو يراقب المجزرة القائمة دون أن يحرك ساكناً أو ينتصر ولو إعلامياً للشعب الأعزل، الذي يقود ملحمة بطولية عظيمة ومعركة تاريخية أسطورية وغير متكافئة .
اشتدت المحنة علي أهل المخيم الذين امتنعوا عن الحركةداخل بيوتهم ، فاقتصدوا في الطعام والشراب في محاولة لتحقيق الصمود والانتصار .
أقام خليل مركزاً لقيادة المقاومة في أحد البيوت ،فأعد غرفة للتموين وثانية للسلاح وثالثة للتخطيط والرابعة لعلاج الجرحى ، وكان علياتصال دائم بمعظم المجاهدين وتصله أخبارهم ، وتحركات الجيش عبر عيون تم توزيعها فيكل الأزقة .
وزع خليل أدوار أصحابه والمقاومين من شباب المخيم فكانوا يتبادلونالأدوار والمهمات والراحة ما أمكن لاستئناف المقاومة . كان يقول لأصحابه نحن أعددناما استطعنا من قوة وإمكانيات متاحة ولكن النصر من عند الله ، فعليكم بالتوكل والذكر والقرآن حتى وسط المعركة .
كان للصيام دور كبير في تسيير المعركة وإعدادالمجاهدين والشوق للقاء الله والشهادة ، كما أنه كان حاجة للصمود لشحة الطعاموالشراب .
لم يتوقع جيش الاحتلال صموداً رائعاً كالذي واجهه فيتلك الأيام ففي اليوم الأول أمطر المخيم بوابل من القذائف والصواريخ ، وهم الجيشباقتحام المخيم إلا أنه واجه قتالاً أسطورياً ، فأعطب المقاومون دبابتين وجرافةضخمة ، واستولي الأبطال علي ثلاث بنادق رشاشة تركها الجيش الجبان لحظة تراجعه .
لم تجد الأمهات وسيلة لتهدئة الأطفال الذين ارتجفوا منزخات الرصاص ودوي الطائرات وحركة الدبابات ولم يتمكن المجاهدون من نقل الجرحىوتقديم العلاج للمصابين اللذين بقوا ينزفون حتى الشهادة .
تكررت عمليات الاقتحام للجيش وتكررت عمليات التصديوالصمود ، فدب الرعب في قلوب جنود الاحتلال حتى البكاء ، فتراجعوا جزعاً من حتميةالموت الذي شهدوه علي اثنين من جنودهم .
وفي صباح اليوم الثاني قرر قادة جيش الاحتلال دخولالمخيم ولو بمجزرة ، فحرقوا بيتاً وقتلوا كل من فيه من الأبرياء ، واستطاع عدنانقتل جندي ثالث وإصابة أربعة آخرين .
بدأت المعركة مبكرة في فجر اليوم الثالث ، فتيمم خليللقلة المياه التي انحصرت إلا للشرب وصلي الفجر ثم قصد التحرك لاستطلاع شوارع المخيمالذي كان يضج بالانفجارات ، فصادف في طريقه جثثاً ممزقة ومتفحمة .
ولقد داست الدبابات والجرافات جدران البيوت في اليومالرابع ، فهدمتها علي رؤوس ساكنيها .
لم يهنأ جيش الاحتلال بخطوته التي رأي فيها جزءاً منخطته للسيطرة علي مخيم جنين ، حتى تزلزلت الأرض من تحت أقدامه ومعداته وآلاتهالعسكرية بفعل قافلة الشهداء التي تسابقت للقاء الله ونصرة شعبها ورفع هامته .
وفي اليوم الخامس لم يرَرئيس أركان الحرب بُداً إلا من الإشراف بنفسه علي المذبحة عبر طائرة عمودية حلّقتفي سماء المخيم . كان يشهد بالعظمة لهؤلاء المقاتلين الذين لم يرَ أمثالهم في كلالحروب السابقة منذ قيام كيانهم مع دولٍ وجيوش ، واعترف قائد الحرب عبرالإعلام بشراسة المقاومة التي خلّفت ثلاثة قتلي آخرين من صفوفه وأدرك عواقبالانسحاب وانعكاسها علي مصير جيشه أمام عناد المجاهدين ، فقرر التواصل في المعركة .
كانت الاشتباكات متواصلة علي مر الساعات ، استهجن رئيس الوزراء الصهيونى الأنباءالتي يتلقاها ، فأصر في اليوم السادس أن يستطلع المعركة بنفسه .
منع جيش الاحتلال إدخال الطواقم الطبية للمخيم وسياراتالصليب ، وحتى إمداد الأهالي باليسير من الضروريات المعيشية والطبية ، واستطاع جيشالاحتلال اقتحام أجزاء من المخيم الأمر الذي زاد من إصرار المقاومين علي التصدي .
استبسل أحفاد الجد أبي حسن في المعركة ، كان سامييتطوق كما محمود بحزام ناسف ، وخلال المقاومة أصيب بشظايا قذيفة أقعدته ، أسرععدنان لإسعافه فرفض ، قبَّل سامي أخاه مودعاً وأوصاه بالسلام علي أمه وأهله وجده ،أصر سامي علي عدنان لتركه ، ليستقبل بجسده قوات الاحتلال التي تقترب منه داخلالمخيم ، ابتسم سامي لهذا القدر ، وحين وصولهم ذكر الله وكبر ثم تفخَّر فيهم ، فقتلجنديين وأصاب ثمانية آخرون ، فأعاق زحف الآليات العسكرية لقلب المخيم .
تعاهدالمقاومون علي الشهادة في اليوم السابع من الحصار بعد أن قاربت ذخيرتهم والطعاموالشراب علي النفاذ فأعلنوا النفير تصدياً للاحتلال و تفاجأ المقاومون بعدد منالنساء والشيوخ والأطفال اللذين أرغموا علي الخروج من المخيم جوعاً وعطشاً ،فاستخدمهم جيش الاحتلال كدروع بشرية ، ليستر بهم جبنه ويحمي بهم نفسه .
علم خليل ومحمود بحصار جيش الاحتلال لمجموعة مقاتلةاُستُنفدَت ذخيرتها في أحد البيوت ، فخرج بمعية أصحابه لإنقاذهم ، دخل خليل ومحمودمعركة بطولية مُشَرِّفة دامت ساعات من الاشتباكات وتبادل لإطلاق النار الكثيف ،فاستعان الجيش بالطائرات العمودية التي غطت المنطقة بالصواريخ ، فاستطاعوا محاصرةالبيت واعتقال المقاومين الستة الذين كانوا بداخله .
جَّرد الجيش المقاتلين من ملابسهم أمام أعين الأهاليالذين احتمي بهم ، ووضعهم صفاً واحداً مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين ثم أطلق النارعلي رؤوسهم وصدورهم فمزقهم علي مرأى الأمهات . اشتد الخناق في اليوم الثامن عليالمجاهدين ، فنحفت أجسادهم من الجوع والعطش واصفرت وجوهم من السهر والتعب ، ولميتبق في جعبتهم إلا القليل من الأسلحة ، فأوصي خليل المقاومين بالدقة في إصابةالهدف وعدم استهلاك الذخائر إلا في جسد العدو. تقدم جيش الاحتلال في قلب المخيم الذي تحول إلي ساحةواسعة من الركام ، و
نفدت الذخيرة من محمود ولم يَتبق إلا الحزام الناسفعلي جسده ، فأبي الاستسلام الذي سيعيده للسجن مرة ثانية ، كان يدرك أن الجيش سوفيقصد بيته في محاولة لاعتقاله ، فأقسم أن يلقنهم درساً لن ينسوه، قبَّل محمود خليلمودعاً إياه وأوصاه بنفسه والمناضلين وبأخته سهام وأبنائها ، وتواعدا علي اللقاءعلي حوض الرسول ( ص ) في الجنة ، تعانق الصاحبان بحرارة ودموع .
كان محمود سعيداً بأمنية الشهادة وكأنه يري مكانه فيالجنة ، ويستعجل تلك اللحظة ليرتقي إلي العُلى مسجلاً لشعبه صفحة ناصعة وجميلةومشرفة في التاريخ .
توغل الجيش في قلب المخيم الذي داهم المطلوبين وكانيقترب من بيت محمود الذي تحصن فيه ، فوصل لأطراف المنزل عشرات الجنود ،ففاجئهم محمود ورفاقه بوابل من الرصاص والعبوات ، فعلا صراخهم وعويلهم واستجدائهم للبقاء على حياتهم دون جدوى ، فاعترف جيش الاحتلال بمقتل ثلاثة عشر جندياً وأصابة تسعة آخرينبجروح متفاوتة .
أصيب جيش الاحتلال بالهلع والخوف وتحولت كل الأرض منتحت أقدامهم لبركان يغلي غضباً وشعروا أن الموت يطاردهم في كل مكان ، فلم يشعروابأمنهم في مواقعهم وبرهم وبحرهم ومستوطناتهم ، وفي الحافلات والأسواق والملاهي وفيكل مكان
بدأت الطائرات بإلقاء حممها على مناطق التماس مع جيش الاحتلال التى يتصدرها محمود ،شاهد المجاهدون محمود على بعد أمتار منهمفى محاولة منه بتكبيدهم خسائر أخرى، وإذا بقناص يطلق عليه الرصاص مستهدفاً العبوة التى كان يحملها ....فانفجرت .... وتبعثر جسده الطاهر فى كل الاتجاهات يُشْهِِد العالم أجمع على صدقه وإخلاصه وبطولة وجرأة وتضحيات الشعب الفلسطيني على قلة إمكانياته .
علم خليل باستشهاد صديقه محمود وفي اليوم التاسع منحصار المخيم قاتل قتالاً شرساً، وأقسم أن يخلص لدمه ، فاستنفر أبطال المخيم فيمعركة متواصلة وحاسمة .
دخل جيش الاحتلال وسط المخيم فهدموا بيت الحاج أبي حسنوالمنطقة المحيطة به ، فتحول المخيم إلي ساحة مدمرة.
واجه خليل ورفاقه أرتال الدبابات والجرفات واستطاعواقتل جنديين في ذلك اليوم ، وفي نهاية اليوم التاسع
حاصر جيش الاحتلال مجموعة من المجاهدين الذين أبلوا وأبدعوا فى القتال طوال المعركة وقبلها واعتقلتهم
انسحب جيش الاحتلال منالمخيم بعد أن ارتكب في حق الأبرياء جريمة تقشعر لها الأبدان ، ومذبحة تعبر عن جيشفاقد لأدني الأخلاق العسكرية والإنسانية ويمثل دولة قائمة علي الظلم والإرهابوالفساد والتخريب .
انتصر أبطال المخيم علي جيش الاحتلال وترسانتهالعسكرية ،وعلي الجوع والعطش والتعب .
كانوا عمالقة في نضالهم ، وعظماء في تحديهم وأبطال فيصمودهم وكبريائهم وتضحياتهم.
دخلت وسائل الإعلام ونقلت آثار الجريمة وكأن المخيمتعرض لزلزال قوي فدمره ، وقلبه رأساً علي عقب ، وكانت رائحة الموت تنبعث من عشراتالجثث الملقاة في الشوارع والأزقة . سارع أهل المخيم لمحاولات إنقاذ الأحياء من تحتأنقاض البيوت المدمرة .
كان خليل علي يقين بأن جده لن يخرج من بيته ثانية لالحيفا ، فتأكد بوجوده تحت الأنقاض ، تعاون شباب المخيم بآليات بسيطة في محاولةلإنقاذ الحاج أبي حسن من بين الركام والجدران المهدمة . أُغميً علي الحاجة أم حسنالتي لم تتحمل الخبر ، ولم تتوقع ما حدث ، فنقلوها بصحبة ابنتها فاطمة إلي المستشفى، كانت نعمة بحالة نفسية صعبة ، حيث خبر استشهاد ابنها سامي ، وفقدان والدها تحتالركام ، وإغماء أمها ونقلها إلي المستشفى .
أخذ خليل يرفع الركام بيديه ، ولميتطلع لشيء سوي إنقاذ جده الأحب إلي قلبه ، فاستطاع بصحبة الأهالي إحداث حفرة بينالجدران المهدمة ، نادى خليل علي جده من الشقوق ، فلم يسمع ما يطمئنه ، لم يشعرباليأس وظن أن الجد أصابه الإرهاق والتعب من الجوع والعطش ، فواصل مع الأهالي إزالةالركام حتى تمكن من النزول بنفسه وسط الغرفة المظلمة ، فعثر علي جده الذي لم يتكلم، رفع يده وتركها فسقطت ، ثم وضع أذنيه علي صدره فلم يشعر بحراك ، فتناول يده وفحصنبضه فتأكد أنه ما زال علي قيد الحياة .
رفع خليل جده بين ذراعيه بمساعدة الأهاليونقلوه علي وجه السرعة إلي المستشفى ، طمأن الطبيب خليل علي جده الذي توقع معافاتهبعد ساعات ، فبقي بجانبه حتى بدأ بالهمس ثم فتح عينيه .
لم يترك خليل زوجته سهام فيمصيبتها والتي بكت أخاها بكاءً مُراً كلما تذكرت لحظات وداعه وكلماته .
-وَاسَى خليل زوجته وقال : مثل محمود لا يُبكَي يا سهامأخوك بطل وقليل أمثاله ، فيا ليتني وأبنائي وكل الشعب مثل محمود ، إذا كان لابد منالبكاء ، فيكون علي الجبناء والمتخاذلين والشعوب النائمة والأمة التي ماتت .
لن ننسي محموداً الذي وهبني إياك ودبًّ في قلبي الحياة، وسأبقي أتذكره في كل اللحظات.
و لم يمر أسبوع علي مجزرة المخيم حتى أعلن خليل بنفسهالمسئولية عن العملية الاستشهادية التي نفذها فدائي بطل من مخيم جنين وأسفرت عن مقتلعدد من الجنود رداً علي المذبحة وعلي استشهاد صديقه محمود.
نفذ أبطال جنين العمليات العسكرية بعد احتلال المخيمالذي لم ينكسر ، فبقوا مثلاً رائعاً في التحدي والتضحية .
وصمد الشعب الفلسطيني فى انتفاضة الأقصى خمسة أعوام متتالية من القتال والمقاومة سبقتها عشرات السنين بلا كلل أو ملل، وشارك فى التضحية بوحدة ميدانية مشرَفةالمواطن والعامل والموظف والفلاح والطالب والمتعلم والمثقف والأمي والتاجر والصانع ،وكل الفصائل الوطنية والإسلامية وأذرعها العسكرية،والسلطةالوطنية الفلسطينية وكل الأجهزة الأمنية ، وقدَّم كل الشعب الفلسطيني وما زال يقدم الشهداء والأسرى والجرحى ، واستطاع أن يحرر أرضاً محتلة ويُزيل مستوطنات صهيونيةبقوة السلاح على أطراف مخيم جنين وقطاع غزة ، فنُكس العلم الإسرائيليبأيادي صهيونية بعد أن خربوا - بتوفيق الله -بيوتهم بأيديهموأيدي المؤمنين ،وفى يوم الاثنين فى الثاني عشر من سبتمبر 2005م - في الثامن من شعبان 1426هجرى تم تحرير قطاع غزة ، ورُفع العلم الفلسطيني فوق المناطق المحررة ، ودخل عشرات الآلاف من الأهالي المستوطناتالمحررة بالزغاريد ، وإطلاق النار، والهتافات ورفع صور الشهداء والأسرى مستذكرين كل الدماء التى سالت على أطرافها وقلبها ،ونقَل كل العالم عبر إعلامه إنجاز الشعب الفلسطيني بعد سيل من الدماء والصبر والصمود والتحدي .
مرت الأيام علي خليل الذيوهب حياته للجهاد والمقاومة ، وفي إحدى الليالي عاد لبيته فرأي جده العجوز أبا حسنيلاعب أطفاله ويرسم لهم خارطة الوطن ويقول :
هذه حيفا ، وهذا مفتاح بيتنا فيها ، وهذهالأوراق تثبت ملكيتنا لعشرات الدونمات لحقولها وبساتينها ، وهي أمانة في أعناقكم ،ولن تعود إلا بهاذين ...وأشار بأصابعه التي ترتجف... إلي القرآن والرصاصة التي أهداهامحمود قبل استشهاده إلي أطفال أخته سهام ، فسُعِدَ خليل بوصايا جده الذي لم يتعب، وتقدم نحو الباب بخطوات فسأله الجد :
-إلى أين يا خليل؟
-فأجاب بعزة وفخر :لازلنا في بداية الطريقيا جدي، فلا زالت القدس و كل الضفة محتلة 0
-استنكر الجد إجابةحفيده وقال :
-أيضاً عسقلان ويافا وحيفا والجليل والنقب يا بني ، فهذه حتمية قرآنية وإن لم نكون نحن جنودها فإن شاء الله أبناءك أو أبنائهم .
بسم الله الرحمن الرحيم
بوركت اخي ياريت كل واحد بيدخل المعتقل وبيخرج وهو مستفيد وعامل متل هالكنوز .. ربنا يتمم عليك
4 - نور الاسلام اغلو....ابو البراء من تركيــــا (2009-04-11 23:29:38)
الحمد لله و الصلاه و السلام على من لا نبى بعده محمد الامين و من سار على دربه الى يوم الدين....
اخى رافت لك الف تحية منى و شكر و تقدير على هذه الروايه القيمة....انها تعبر كم انك تعيش الحدث و تعايشة ايانا و ذلك منوط باخلاصك العميق المؤثر....
فانت كما عرفتك منذ الصغر....ذو بلاغه عاليه و مؤثرة فى القارئ....ثبتنا الله و اياكم على هذا الطريق المستقيم ...... الف تحية لك منى اخيك ابو البراء من تركيا.
5 - محمد من فلسطين (2009-12-09 13:54:56)
ألسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لك كل ألتحية وأشهد لله أنك ونعم ألرجال ----ربنا يخليك لاهل بيتك ويحفظك من كل مكروه . يبوخليل
6 - عاشق من زمن جنين من جنين القلب والمهجة (2010-10-27 02:50:00)
بوركت وبورك قلب الذي يكتب بحبر الدم تاريخ وطن مزقته ايادي الاحتلال وجمعت رجال بنادق الثوار