الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية - رواية قلبى والمخيم - الجزء الثانى
 

رواية قلبى والمخيم - الجزء الثانى
التاريخ: 2006-08-29 20:24:01

 

من أدب السجون

الجزء الثانى من رواية

قلبي والمخيم

         تابعه (ياسر) حتى رفع القناع عن وجهه وتابعت بدوري وبطريقتي الخاصة أنا القضية مع أولي الأمر فعلمت السبب.

سادت حالة من التوتر والغضب الشديدين في أوساط العائلة، وتفاقمت أكثر حينما قام أحد أفراد العائلة بتهديد (سليم).

لم يكن في وسع (خالد) إلا تأجيل خطبته من (أماني) وبعد الحادث سألتها (آمال):

-         يسلم عليك (خالد) ويريد معرفة موقفك مما حدث.

بكت (أماني) وقالت:

-   من قام بهذا العمل لا يمثل العائلة، والحدث كله ليس عائليًا، ومع هذا فنحن جميعاً في البيت لم نقبل بما حدث، وكان الأولى إدخال (خالد) في الموضوع، ونحن أبلغنا موقفنا هذا لبيت خالي وعلى موعد معكم بعد حل المشكلة.

وضعت آمال يدها على كتف (أماني) التي جهشت بالبكاء وقالت:

-         و(خالد) على موعد معك أيضاً.

مرت الأيام ومع مرورها تحسنت صحة (ذيب) واشتدت أعمال المقاومة ضد الاحتلال التقى (خالد) مع مجموعته العسكرية واتفقوا على تلقين قوات الاحتلال درساً لن ينسوه؛ فكمنوا لسيارة عسكرية تمت مراقبتها لأسابيع وقرب منتصف الليل كان أزيز الرصاص يشهد بالبطولة والجرأة والشجاعة لشباب المخيم الذي لم يهدأ بمقاومته منذ الاحتلال، فاعترف العدو بمقتل جندي وإصابة ثلاثة، وتم فرض منع التجول على المخيم والطلب من جميع من تزيد أعمارهم عن ثمانية عشر عام بالتواجد في إحدى ساحات المخيم.

عاد (خالد) إلى البيت بعد الاشتباك وإخفاء السلاح فوجد أباه وأمه وأخته قلقين عليه وفي انتظاره.

-         الحمد لله على سلامتك يا (خالد)!

-         الله يسلمك يا أمي.

سأل (أبو خالد) بلهجة استنكار:

-         وهل تورطت فيما حدث؟

استاء (خالد) من سؤال أبيه وأجاب:

-         هذه ليست ورطة يا والدي.. بل واجب، وأتمنى أن ترضى عني وتدعو لي بالحفظ والحماية.

-         إذن اذهب وغير ملابسك فصوت آليات الجيش العسكرية تقترب.

توضأ (خالد) وصلى ركعتين لله حمده فيها واستغفره ودعاه وتوكل عليه.

دق الجيش على باب بيوت الحارة وأخرج كل من فيها من الشباب، بقيت أم (خالد) قلقة على ابنها الذي تم اعتقاله مع عشرات الشباب الآخرين.

والتقت (آمال) بـ(أماني) وعلمت بما حدث، الأمر الذي زاد هماً إلى همومها.

مرت الأيام قاسية على (خالد) في التحقيق فألبسوه ملابس بنية واسعة، ووضعوا على عينيه ورأسه كيساً مضمخاً بالأوساخ وأمضى ساعات طويلة مقيد اليدين والأرجل إلى كرسي صغير، محروماً من النوم، كانت الجولات قاسية وقلب (خالد) معلق بالله والدعاء.

قال المحقق لـ(خالد):

-   اسمي (إيتسيك) ويقولون لي (أبو الفهد).. اسمع يا (خالد) منذ اليوم سترى الموت بعينيك عشرات المرات وستتمناه ولن تموت ولكن هوّن على نفسك وعلينا واشرح لنا كيف قمتم بالعملية؟

تحلى (خالد) بقوة القلب والثقة وأجاب:

-         أنا لا أعرف عن ماذا تتحدث، أنت أخذتني وأنا نائم من البيت وليس لي علاقة بشيء.

-         إذًا أنت عنيد وستتعبنا وتتعب معنا.

أمر بحضور خمسة من الجنود مفتولي العضلات وألقوا بـ(خالد) على الأرض وهو مقيد والكيس يغطي رأسه.. جلس أحدهم على يديه والثاني على رجليه والثالث على صدره والرابع أغلق أنفه والأخير أخذ يضغط على خصيتيه بقوة، شعر (خالد) بضيق النفس لإغلاق أنفه فأتى المحقق وسكب على الكيس قنينة من الماء البارد، شعر المحقق بخطورة الموقف فأمر برفع الكيس عن وجهه لثوان وواصل معه التحقيق.

-         ما رأيك يا (خالد)؟ الآن هل أنت مصر على موقفك؟

-         ليس عندي ما أضيفه.. أنا كنت في بيتي ولا علاقة لي بشيء.

ردّ المحقق:

-         إذن ستسجل نفسك بطلاً.. وهذا لن تحلم به.

أمر بإحضار حذاء من البلاستيك واستمر في ضربه على رأسه حتى شعر (خالد) بانفجار رأسه وسقوط شعره.

-         ماذا قلت يا (خالد)؟

-         ليس عندي ما أضيفه.

-         جيد.. سنتركك تفكر.. خذوه واشبحوه جالساً على الكرسي دون نوم.

بقي (خالد) مشبوحًا ليلة كاملة وفي الصباح طلب أن يذهب للحمام فأخروه لساعات حتى حضور المحقق.

-         هل فكرت طوال الليل يا (خالد)؟

-         نعم فكرت.

-         وهل سننتهي الآن؟

-         أتمنى ذلك.

شعر (إيتسيك) بالنصر على (خالد) فسمح له بالذهاب للحمام حتى عاد.

-         هيا اشرح لي بالتفصيل كيف قمتم بالعملية ومن معك؟

أجاب (خالد):

-         عن أية عملية تتحدث؟ أنا أطلب أن تفرج عني لأنني كنت في بيتي يوم الاعتقال.

اشتاط (إيتسيك) غضباً ولطم (خالدًا) على وجهه لطمة قوية وأمر الجنود بالحضور ومعهم قطعة من صابون غسيل كبيرة وأجبر (خالدًا) أن يستحم بالماء البارد حتى يستهلكها كاملة.

انتهى (خالد) من عقوبته على مرأى الجنود مقيد اليدين والأرجل ثم عاد للتحقيق.

أمر (إيتسيك) بضغط القيود على يدي (خالد) لأيام حتى يفقد الشعور بهما، وبعد يوم جاء الممرض المناوب وسأل (خالدًا):

-         هل تشعر بيديك ؟

أجاب (خالد) مع نظرة كبرياء:

-         لا.

وخز الممرض يديه بإبرة فلم تحرك ساكناً، ثم تناول سيجارة مشعلة ووضعها على يديه دون جدوى، فأوصى بفك قيوده وأمر المحقق الجنود بذلك.

شعر (خالد) بالدوران ثم سقط على الأرض، أوصى الممرض المحقق بوقف التحقيق مع (خالد) لسوء حالته وفقدان ما يزيد عن عشر كيلو جرامات من وزنه وسقوط شعره وهزل جسمه وتدهور صحته.

وكلت العائلة محاميًا لمعرفة مكان (خالد) والدفاع عنه وتابعت قضية اعتقاله مع الصليب الأحمر وفي اليوم الثامن عشر تم تحرير (خالد) دون اعتراف. فقامت العائلة بنقل (خالد) إلى المستشفى حتى تعافى وعاد للبيت.

خرج (خالد) من السجن أكثر إرادة وجرأة وعزيمة وقناعة بأفكاره وانتماءه لدينه وشعبه ووطنه وواصل أعمال المقاومة ونفذ العملية تلو الأخرى.

ذهب (باسل) إلى العمل كما كل يوم بسيارته القديمة.

-         صباح الخير يا (يحيى).

-   من أين سيأتي الخير يا (باسل)؟ لقد أبلغتني (داليا) بنية الزواج منك وهذا أمر خطير لن نقبله وممنوع في دولتنا وسيجلب لك و لها ولنا المشاكل.. لذا أرى أن لا تدخلنا في هذا الصراع ولا تزعل إذا ما قلت لك هذا آخر يوم لك في العمل.

عاد (باسل) وفي طريقه قابل (داليا) فتوقف لها:

-         كيف حالك يا (داليا) ؟

-   أهلاً بك يا (باسل) أنا محظوظة أن التقيت بك فأبي والعائلة رفضوا كل محاولاتي للقبول بزواجنا وأنا قررت الزواج منك والعيش في جباليا.

-         ولكن هذا سيسبب لك المشاكل مع الأهل وقد لا ترتاحين في جباليا فلنا عادات وتقاليد قد لا تقبلي بها.

-   أنا فكرت جيداً في الموضوع.. ولا تنس أنني من أصول يمنية وأعرف بعض الكلمات العربية ومقتنعة بك زوجًا وبالإسلام دينًا.

وقف (باسل) عاجزاً أمام إرادة ورغبة (داليا) التي استقلت السيارة معه وسافرت نحو مستقبل مجهول.

استقبلت أم (باسل) عروس ابنها بفرح مع قلق على مستقبلها وخشيت من إزعاج ومقاطعة العائلة لها.

ذهب (باسل) إلى (خالد) وطلب منه أن يحضر (آمال) وملابس لـ(داليا) لمناقشة الموضوع معه.

فرحت (داليا) بصحبة (آمال) التي لم تتركها، وفهمت عليها باللغة الإنجليزية في غياب (باسل).

اتفق الصاحبان أن يتم الزواج سراً لأيام، فأتى المأذون وشهد (خالد) و(أبو فادي) وحضر (ياسر) و(أبو هاني) و(أبو هشام) وبعض المقربين وتم الزفاف.

لم يدع (باسل) عائلة (داليا) في قلق على ابنتهم، فاتصل بهم وأبلغهم أن (داليا) تزوجته وهي بخير عنده. أرادت (داليا) أن تكلم أمها فهددها أبوها وأخوها الكبير وطلبوا منها العودة. فعلم (أبو خالد) و(أم ذيب) والعائلة بزواج (باسل) فقاطعوه، ولم يباركوا له أو يقفوا بجانبه، مر الشهر على العروسين كاليوم – لحظات كلها سعادة وفرح وتفاهم وحديث عن المستقبل والأحلام، وبقيت (داليا) على علاقة قوية بـ(آمال) والجيران، وبدأت تتعلم اللغة وعادات أهل المخيم فتحجبت وشرعت بالصلاة. دُقَّ الباب ليلاً بقوة. فذهب (باسل) يفتحه، وإذ بقوات كبيرة من الجيش تحاصر البيت:

-         هل أنت (باسل الكريمي)؟

-         نعم أنا.

-         اذهب وأحضر (داليا).

أحضرت (داليا) قسيمة الزواج وقدمتها للضابط فقال بالعبرية:

-         إذاً لن تعودي لأهلك؟

-         هؤلاء هم أهلي وأنا زوجة لـ(باسل) ولن أخرج إلا على جثتي.

اعتقل الضابط (باسل) وبدأ يقنعه بتركها وعودتها لأهلها فأجاب:

-   أنا لم أخطف (داليا) من بيتها ولم أجبرها على الزواج مني، فهي التي اختارت وتحدثت مع أهلها في هذا الأمر ولكنهم رفضوا وزواجنا كان بإرادتها.

-         ولكن الأهل لم يسمحوا لها.

أجاب (باسل):

-         هذا حقهم.. ولكن حق (داليا) الجامعية والتي تبلغ اثنين وعشرين عامًا أن تختار طريقها وزوجها وحياتها.

-         وما المقصود؟

-         (داليا) زوجتي ومع هذا لن أمنعها من العودة إلى أهلها إذا شاءت ويمكنكم سؤالها.

أفرج الضابط عن (باسل) الذي ترك له قسيمة الزواج لبعثها لأهلها، وأكد حرية اختيار (داليا) وحقها في مراجعتها.

فرحت (داليا) بالإفراج عن زوجها وفرحت (أم باسل) بحرية ابنها الذي صارح زوجته.

-         اسمعي يا (داليا).. لكِ حرية الاختيار ولن أجبرك؟

-         أرجو أن لا تكرر هذا الحديث مرة أخرى يا (باسل) فأنا اخترتك عن قناعة وأتمنى أن يكون هذا آخر الكلام بيننا.

حاول (باسل) أن يخفف من حدة (داليا) ويعوضها عن أهلها فتعامل معها بقمة الحنان والحرية والاحترام والحب، وعاش المحبان حياة كلها سعادة وفرح.

-         أريد أن أغير اسمي يا (باسل)؟

-         اسمكِ جميل يا (داليا).. وغير ملفت للنظر ولكن الأمر يعود لك.

-         إذاً ناديني (تهاني) وسأوصي الجيران بهذا الاسم.

-         على عيني يا (تهاني)، فأنت اخترت اسمًا جميلاً جداً.

-         كما وأريد أن أبشرك بأنني حامل.

ملأت السعادة قلب (باسل) وخرج يزف البشرى لأمه التي حمدت الله وشكرته على نعمته وعطائه.

-         أنا الذي سأسمي الولد يا (تهاني)

-         هذا حقك.. ماذا ستسميه؟

-         إن كان ولداً سأسميه (عبد الله) وإن كانت بنتًا فـ(فاطمة).

وافقت (تهاني) زوجها وبدأت تناديه بـ(أبي عبد الله).

زادت شعلة الانتفاضة المباركة مع الزمن وزاد عدد الشهداء في مخيم جباليا.

اقتنع العالم بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة والاستقلال وتناقل إعلام العالم صوراً رائعة من أشكال النضال الفلسطيني وجهاده وعطائه وتضحياته ولا حياة لمن تنادي.

خشيت (أم خالد) على ابنها وطلبت من أبيه أن يحدثه بالزواج فوافقها.

-         كيف حالك يا (خالد)؟

-         الحمد لله يا والدي.

-         لقد آن الأوان لتتزوج.. نريد أن نفرح بك؟

-         لا تنسَ يا والدي أننا على موعد مع التاجر (أبي محمود).

غضب (أبو خالد) من ابنه وقال:

-         وهل تريد أن تصغرني أمام وجوه العائلة وعمتك؟ أم نسيت ما فعلوا في (ذيب)؟

-         هذا هو موقفي يا أبي.

-         المشكلة بين طرفين يا بني، ولا تستبعد رفضهم لنا، أم نسيت انعكاس الحدث على كلا العائلتين.

أجاب (خالد) بثقة:

-         وأنا لا تهمني العائلتان.. بل يهمني رأي البنت وأهلها.

-         وإذا رفضوك؟

-         أستبعد ذلك.. ولكن حينها سأقبل بغيرها.

 اتفق (أبو خالد) وابنه على إرسال أمه وعمته لتحديد موعد نهائي للخطبة والفرح.

مر أسبوع كسنة على (خالد) من كثرة القلق وانتظار الجواب، وإذا بـ(أبي خالد) ينادي عليه بحضور أمه وعمته فقالت العمة (رسمية):

-   لقد تجاوزت ما أصابنا من هذه العائلة من أجل سعادتك يا (خالد)، وذهبت بصحبة أمك لبيت (أبي محمود) لتحديد موعد للخطبة والفرح كما اتفقتم معهم سابقاً.. وللأسف.. لقد رفضوا استئناف العلاقة معنا واعتبروا الأمر قسمة ونصيب، وطلبوا منا نسيان الحديث السابق.

شعر (خالد) بخيبة الأمل والمفاجأة وسأل:

-         وما هو موقف (أماني).

أجابت عمته:

-         وافقت أهلها في موقفهم.. وكان رأيها من رأيهم.

ترك (خالد) البيت والمخيم وذهب إلى الشرق، إلى بيارات الحمضيات، في مكان اعتاد أن يتردد عليه وأصحابه، وبدأت الدموع تنهمر من عينيه كالطفل الصغير، والإحباط يخيم على حياته ونفسيته وشعر بالخذلان واليأس والبؤس وتمنى لو أن سلاحه معه لِينفَذْ غضبه في صدور المحتلين، وأخذ يركل بقدميه أي جسم ملقى على الأرض.. صادف بركة ماء في منتصف البيارة فتوضأ وصلى ودعا الله واستغفره وبات ليلته بين الشجر وتحت السماء.. قلقت أمه عليه ومع مطلع الشمس ذهبت لـ(ياسر) و(باسل) ليبحثوا عنه فطمأنوها.

عرف الصديقان مكان (خالد) كما توقعوا فوجدوه في حالة سيئة، وشعور بالخذلان والوحدة والخيانة.. قال (باسل):

-   هون عليك يا صديقي.. أنت أكبر من أن يهزك مثل هذا الموقف، وكل شيء قسمة ونصيب.. وإن كان لكم في بعض نصيب سيحدث.

قال (ياسر):

-   إن وافقت (أماني) أهلها على رفضك فلا تستحق منك كل هذا الهم الذي تعيشه.. فانظر ماذا فعلت (تهاني) لأجل (باسل)، ولو كانت صادقة معك ما وافقت أهلها، عليك أن تنتبه لنفسك وتعيش حياتك.

عاد (خالد) دون أن ينطق بكلمة، واستحم وتناول طعامه وأخلد للنوم ليأخذ قسطاً من الراحة النفسية والجسدية.

حضرت (أم ذيب) لأخيها لتأخذ رأيه في موضوع يخص ابنتها (مروة).

-         أهلاً وسهلاً بـ(أم ذيب).

قالت (أم ذيب):

-         تقدم عريس اسمه (حمدي) وهو صديق ل(ذيب) وأريد مشورتك ؟

-         الطيور على أشكالها تقع يا أختي، فإن كان (حمدي) صديق (ذيب) فاقرئي المكتوب من عنوانه.

-          لذا أمهليني كم يوم لأرد عليك.

جلس أبو (خالد) مع (خالد) بعد أن هدأ وارتاح وطرح عليه الزواج من ابنة عمته (مروة).

-         رغم أن الظرف غير مناسب الآن إلا أنني سأوافق الرأي، فكل البنات متساويات بعد (أماني).

ذهب أبو (خالد) والعائلة ليطلبوا (مروة) من (أم ذيب) التي رحبت وابنتها بهذا الطلب، وتم تحديد يوم الخطبة وأقامت العائلة فرحاً بعده بأسبوعين وعاش الزوجان حياة مستقرة وهادئة وبعلاقة قائمة على الاحترام والود والسكينة و الرحمة.

علمت (أماني) بزواج من تمنت أن يكون من نصيبها، ولم تقدر على تحدي الظرف الذي جار عليها وظلمها، وتحاملت على المجتمع الذي حاكمها بلا تهمة، وساءت حالتها النفسية وأقعدها الإعياء والمرض، وأصيبت بانهيار عصبي وأزمة نفسية، اضطر أهلها لمراجعة أطباء الأعصاب والنفسيين بصورة دائمة، وبقيت على هذه الحالة بلا تحسن.

رزق الله (باسل) بمولود سماه عبد الله، وشفيت تهاني وتعافت بعد الولادة فأرادت أن تطمئن أمها وتطمئن على أهلها وصارحت (باسل) بذلك:

-         هل تأذن لي بالحديث مع أمي يا (أبا عبد الله)؟

-         هذا حقك يا (تهاني) ومن المهم أن يطمئنوا عليك.

-         بارك الله فيك لي يا أحب الناس.

أحضر (باسل) الهاتف لزوجته وطلب لها الرقم.. ألقت (تهاني) التحية على أمها باللغة العبرية.. بكت الأم شوقاً وحنيناً:

-         كيف حالك يا أمي.. وحال أبي وأخويّ؟

-   جميعنا بخير يا حبيبتي، أبوك يعمل في المصنع، وأخوك الكبير في الجيش، و(شاحل) فتح مكتب للمحاماة وأصبح مشهوراً، وأنا بخير ومشتاقة لك فكيف أنت؟

-   لا تقلقي عليّ يا أمي فأنا سعيدة جداّ في حياتي، وكم شعرت بالحاجة إليك أثناء الولادة؛ فرزقني الله بولد اسمه (عبد الله)، والجميع وقف بجانبي، ولي أصدقاء وجيران ومحبين كثر.

-         ألا تفكري بالعودة لنا؟

-   أنا اخترت طريقي الأصح يا أمي، وسعيدة في حياتي ومع زوجي، وأشعر بالاطمئنان بديني، وهذا قدري الذي لن أحيد عنه، سلامي للجميع يا أمي وخاصة أخي (شاحل).

وضع (خالد) كل مدخراته مع أبيه الذي عمل في التجارة، واستيراد البضائع الأجنبية من المنسوجات والملابس وتعامل مع الضريبة الإسرائيلية.

نجح (أبو خالد) وابنه في تجارتهم وتضاعف رأس مالهم وتوسعت أعمالهم وذات يوم قرر (خالد) والمجموعة لتنفيذ عملية انتقاماً لمجزرة الأقصى في الثامن من تشرين والتي سقط فيها ما يزيد عن العشرين شهيداً، وأثناء العملية أصيب (خالد) برصاصة في فخذه حالت بينه وبين إمكانية الانسحاب من مكان العملية فأُلْقِي القبض عليه وهرب رفاقه.

عاشت العائلة أياماً قاسية من القلق على صحة (خالد) ومستقبله، وفي خضم هذا الحدث طالبت الضريبة الإسرائيلية (أبا خالد) بمبلغ ضخم يزيد عن كل رأس ماله وممتلكاته كما وقلقت العمة (رسمية) على مستقبل ابنتها (مروة) التي لم تكمل العام من زواجها بـ(خالد) وبحث الجميع عن الحل.

شعرت (تهاني) بقسوة الظرف الذي تعيشه كل العائلة وقلة حيلتها وإمكانياتها، كما وتذكرت مساندة (خالد) لـ(باسل) في زواجه وقلق زوجها على صاحبه.

تقدمت (تهاني) نحو زوجها وقالت:

-         هل تقبل مني مبادرة للوقوف مع (خالد) وأبيه في مشكلتهما؟

-         كيف يا (تهاني)؟

-         أخي (شاحل) محامٍ قدير.. ويمكنه أن يساعد في هذه القضية ولن يرفض لي طلب.

وافق (باسل) زوجته وشكرها على صنيعها.

تحدثت (تهاني) مع (شاحل) وشرحت له القضيتين ووعد بمتابعتهما.

كانت (تهاني) حاضرة الذهن في الموقف، وقامت بمبادرة لفتت من خلالها انتباه كل المقاطعين لها؛ فحضر (أبو خالد) والعمة (رسمية) و(مروة) واعتذروا لـ(تهاني) على معاملتهم لها طوال الفترة الماضية.. شعرت (تهاني) بمكانتها التي تعمقت داخل العائلة، وأثبتت لزوجها صدق انتمائها وإخلاصها لدينها.

زار (شاحل) (خالد) في سجنه بعد عشرات الأيام للتحقيق معه فقام بالحديث مع (تهاني) لينقل لها ما جرى بينه وبين (خالد)، ويطمئن أهله عليه وشكرت (تهاني) أخاها وسألته بالعبرية:

-         أين (خالد) يا شاحل؟

-         في مستشفى سجن الرملة.

-         وما هي اعترافاته؟

-         لم يعترف إلا بالعملية التي أصيب فيها.. ولحسن الحظ لم توقع إلا إصابة متوسطة واحدة.

-         وكم تتوقع أن يُحكَم؟

-         ما بين عشرة إلى خمسة عشر عامًا.

-         وماذا حول مبلغ الضريبة؟

-         لا تقلقي يا (داليا).. فأنا أعكف على دراسة القضية.

استشاط الأخ الأكبر لـ(تهاني) غضبًا وهو يسمع طمأنة (شاحل) لها على (خالد) وقال:

-         وهل تريد أن تتزوج أنت الآخر عربية؟

أجابه (شاحل) وعلامات الإحراج تعلو وجهه:

-         ماذا تقصد؟

أجابه بصوت عالٍ:

-   أستغرب من تصرفك وأنت تدافع عن مخرب أطلق النار بقصد القتل على الجيش الإسرائيلي فأصابه.. ولربما أطلق سابقاً فقتل مراراً.. أمثال هذا يجب أن يُعدموا أو يتعفنوا في السجون ولا يعقل أن تدافع عنهم.. تصور لو كنت أنا الذي في الدورية هل سيرحمني؟

تصبب (شاحل) عرقاً وأجاب:

-         أنا استجبت لرغبة (داليا) فهل يعقل أن أرد لها طلباً؟

هز رأسه مستنكراً:

-         ولماذا لم تستجب هي لطلباتنا منذ البداية بعدم الزواج من هذا العربي؟

-         هي حرة ومتعلمة وراشدة.. ومن حقها أن تفعل ما تريد.

-         وبوسعك أن ترفض لها هذا الطلب وتفعل أنت أيضاً ما تريد!

جلس (شاحل) بجانب المنضدة وتناول سماعة الهاتف وتكلم مع (تهاني):

-         مرحباً يا (داليا).

-         أهلاً (شاحل).. هل من جديد؟

أجاب (شاحل):

-   للأسف نعم.. فأنا يا أختي أعتذر عن مواصلة الدفاع عن (خالد جابر الكريمي) لضيق الوقت أما قضية الضريبة فسأتابعها ولي نسبة في ربح القضية.

أدركت (تهاني) الموقف وأجابت:

-   إذا رفضت الدفاع عن (خالد) لأنه في نظرك مخرب فعليك أن تعلم أن (خالد) فدائي يدافع عن أرضه.. هذه الأرض لـ(خالد) ولأهل (خالد) وجيشكم هو جيش الاحتلال والقتل وليس جيشاً للدفاع، ونحن أكثر علماً من غيرنا بأصولنا.. لا تنسَ أننا هاجرنا من اليمن ولسنا ملاّك أرض، وأتمنى مستقبلاً أن تعيد النظر فقد يكون المعتقل مستقبلاً ابني (عبد الله باسل الكريمي) وليس (خالد).

سمع (باسل) حديث زوجته مع أخيها فأكبرها وقربها إليه ومسح دموعها وصبّرها.

-         لا تبكِ يا (تهاني).. فجميعنا يعلم إخلاصك للعائلة ومبادرتك بالوقوف معنا.

رفعت (تهاني) (عبد الله) الصغير لصدرها ومسحت على رأسه وقبلته وارتاحت لحديث زوجها وشكرته.

أقام (خالد) في مستشفى سجن الرملة والتقى هناك بمجموعة من المعتقلين والأسرى.

أفاق (خالد) من نومه على صراخ أحد المعتقلين:

-         يا حوفيش (يا ممرض)، يا سوهير (يا سجان).

لم يرد عليه أحد.. تدخل ممثل المعتقل:

-         من ينادي ؟

-         (وسام).

-         ما بك؟

-         الرجاء إحضار الطبيب بسرعة.. (أبو حسن) يعاني من دقات سريعة في القلب وقد أغمي عليه.

شعر الممرض بخطورة حالة صاحبهم الشيخ المريض وبدأوا جميعاً بالصراخ.. حضر الطبيب وبدأ بفحص الشيخ ثم أمر بإخراجه من الغرفة..

سأل (خالد) رفيقه (وسام):

-         ماذا حصل للشيخ (أبي حسن)؟

-   إنه مريض بالقلب.. وحالته تسوء يوماً بعد يوم، وقد أجلوا موعد عمليته خوفاً على حياته، فلقد تسببوا باستشهاد (أبو رزق) قبل سنين بنفس المرض.

-         ومن يكون (أبو رزق)؟

إنه شيخ كبير.. أمضى في السجون سبعة وعشرين عاماً.. وبقي له من حكمه ستة أشهر، ومع أنه ابن السبعين ومريض بالقلب فلم يفرجوا عنه وقرروا إجراء عملية خطيرة له في القلب وأحضروه لهذا المكان الذي لا يصلح أن يكون مخزناً للحوائج.. وبعد أسبوع ساءت حالته واستشهد.

لعن (خالد) السجان وقال:

-   هذا المكان يمرض فيه السليم فلم أر منذ حضوري أي اهتمام، لا فحوصات ولا طعام وشراب نظيف ولا مساندة ومساعدة لحركة المرضى في حياتهم ولا أثق بهذه الأدوية التي نستعملها.

حضر ممثل المعتقل أثناء حديث المناضلين وقال:

-         أبلغني الضابط أن الشيخ (أبا حسن) في العناية المركزة.

تعافى (خالد) من إصابته بعد فترة طويلة من المعاناة والإهمال الطبي وانتقل إلى سجن نفحة.. استقبل المعتقلون النازل الجديد بالترحاب والاهتمام والمساندة فوجد أهلاً كأهله وصحبه كصحبه، فتعرف على الطبيب والمهندس والمعلم والسياسي والطالب والعامل والفلاح والراعي، قدماء أمضوا ما يزيد عن عشرين عاماً.. وآباء كبار فوق الستين.. وجددًا موقوفين وتعرف على شاب صغير:

-         ما اسمك؟

-         (محمود).

-         ومن أين أنت؟

-         من القدس.

-         كم عمرك؟ وكم أمضيت؟

-         عمري ثمانية عشر عامًا.. وأمضيت عامين.

قاطعه (خالد) مستغرباً:

-         أسجنت ابن السادسة عشر.

-         نعم وكنت في سجن تلموند مع الأشبال.

-         وكيف يعيشون؟

-   رغم صغر سنهم وقلة خبرتهم وإرهاب الإدارة بالقوة لضبطهم.. إلا أنهم مَثَل في الالتزام والانضباط والأخلاق والثقافة واهتمامهم بالتعليم والمطالعة وقراءة القرآن.

-         هل هناك غرف كبيرة؟

-   لا.. إنهم يعيشون في زنازين ضيقة مخصصة لأسيرين وتفرض عليهم الإدارة ثالث على الأرض ولا يوجد أي متسع للحركة والتنقل حتى لتناول الطعام أو الصلاة.

-         وماذا لو تم رفض الزيارة؟

ابتسم محمود وأجاب:

-   حصلت.. أنا رُفِضَت الزيارات مرات عديدة.. وفي كل مرة تأتي فرقة من الشرطة المدججة بالهراوات وقنابل الغاز والخوذ الفولاذية والدروع البلاستيكية فيفتحون الأبواب بالعشرات فنشتبك معهم بكل إمكانياتنا البسيطة وفي معظم الحالات ينزف الأشبال دماً أو يصابون باختناق من الغاز المسيل للدموع؛ فيقومون بعزل المقاومين ويدخلون الزيادة ثم يعودون وتتفجر الأوضاع بعد كل فترة من جديد.

-         وهل يتم عقابكم؟

-   لم يمر يوم واحد طوال وجودي في قسم الأشبال بدون عقاب جماعي كإغلاق القسم وسحب الأدوات الكهربائية وتقليص النزهة وحركة مرافق العمل كالمحلقة والمغسلة والمقصف (الكنتينة) أو عقاب فردي بالعزل الانفرادي أو غرامة مالية أو منع زيارة، والتوتر بين الأسرى وإدارة السجن مستمرة ومع هذا فهناك إرادة وعزيمة ومقاومة ووحدة.

ابتسم (خالد) ومدّ يده لـ(محمود) وصافحه وقال:

-         فرصة سعيدة يا (محمود)، وبارك الله فيك.. وربنا يفرجها عليك وعلى كل الأسرى.

كان (خالد) مجاهداً مقبولاً ومحبوباً من الجميع، فاهتم بوقته وعلَّم وتعلم، وواصل حفظ القرآن والمطالعة وتعليم اللغات وحافظ على الرياضة والحركة وبادر مع الجميع في المساعدة والمساندة والحفاظ على النظافة والهدوء والاستفادة .

قامت العائلة بتوكيل محامٍ لقضيته، وبعد عام نزل للمحكمة العسكرية وحينما عاد استقبله إخوانه باهتمام.. سأله (محمود):

-         بشر يا (خالد) هل تحاكمت؟

أجاب (خالد) مهموماً:

-         الحمد لله على هذه الحال وعلى كل حال.. لقد حكم عليّ باثني عشر عاماً.

اقترب منه كبيرهم (أبو العبد) وواساه:

انتهى الجزءالثانى من رواية

قلبي  والمخيم

لمطالعة الجزء الثالث

 أنقر هنا

 



  بحث
بحث:

  النشرة البريدية
البريد الإلكتروني:


:: إلغاء الإشتراك
 

حقوق الطبع محفوظة لمركز الأسرى للدراسات

www.alasra.ps