الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية - فلسطين كلها خلف القضبان .. والجدران ... !*بقلم : د.عدنان جابر
 

فلسطين كلها خلف القضبان .. والجدران ... !*بقلم : د.عدنان جابر
التاريخ: 2009-05-30 11:14:23

د . عدنان جابر

 

 

 

 

هناك مثل روسي يقول: سيأتي يوم ويكون في شارعنا عيد.

وتقول جداتنا: لا بد للحزينة من يوم تفرح فيه.

وبما أن الحياة مليئة بالتناقضات والمفارقات، فهناك أيضاً قول يشي بالخيبة وانعدام الفرح، هو: إجت الحزينة تفرح، ما لقت مطرح!

إنه لمن الضحالة وتسخيف للقضية الاعتقاد بأن صراعنا مع الصهيونية هو بالبندقية فقط ، أو بالسياسة فقط ، أو بالمفاوضات فقط ، وإنه لفقر عقلي أسوأ من فقر الدم رؤية "المناضل" وعدم رؤية "الإنسان" ( أو الإنسان في المناضل )، رؤية الفصائل والأحزاب وعدم رؤية الشعب، رؤية اللحظة وعدم رؤية السياق، رؤية الشجرة وعدم رؤية الغابة.

 معركة الشعب العربي الفلسطيني مع الاحتلال الصهيوني هي معركة وجودية مُركَّبة متعددة الزوايا والصور والأبعاد..إنه صراع على مختلف الصعد الفكرية والثقافية والفنية والأدبية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والإجتماعية والأخلاقية والحضارية والتاريخية والجغرافية والبيئية.. والجمالية والنفسية.

 الاحتلال هو القبح بعينه، لقد لوَّث ونغَّص حياتنا ، ولن ننتقل إلى ضفاف الإنسانية والسعادة إلا إذا ألحقنا الهزيمة بهذا الوحش المقيت: الاحتلال الصهيوني، والعنصرية الصهيونية.

 يتضمن صراعنا مع الاحتلال معركتنا من أجل الفرح، علينا أن نقاتل كي نفرح ، فرحنا صعب.. أو مؤجل. ومَنْ أحقُّ من أهالي وأمهات وزوجات وأطفال الأسرى والأسيرات بالفرح؟ أن يكون لهم في مساحة الفرح مطرح؟!

كم انتظرت أم الأسير أو الأسيرة، كم طاردت من سجن إلى سجن، كم سهرت طوال الليل واستعدت منذ الفجر للزيارة الشاقة المريرة لتجلس دقائق أمام القضبان والشبك والزجاج لترى ولتتحدث إلى من تحب؟ كم هتفت واعتصمت، وبكت، وابتهلت إلى الله كي يفك أسر ابنها أو ابنتها، وأسر الأسرى جميعاً ؟ كم انتظرت زوجة الأسير الصابرة، كم تعذبت وهي تربي وترعى الأولاد، كم بذلت من جهد كي تكون قوية أمامهم، وكم بكت وحيدة، بعيدة عن أعينهم؟ وكم كبر الأولاد بعيدين عن والدهم الأسير، كم انتظروا، وكم حلموا أن يكبروا ويراهقوا وينضجوا برفقته، أن يملأ حضوره وأنفاسه البيت، أن تجمعهم وإياه مائدة واحدة، أن يأتي شهر رمضان المبارك والعيد، أو عيد الفصح وأعياد الميلاد، وهو معهم، أو أن ينالوا شهادة المدرسة، أو الجامعة، أو أن يخطبوا ويتزوجوا ويُزفوا بحضوره...؟!

 

حقاً، إن الأسر لا يشمل الأسرى فقط، بل وأهالي الأسرى .. أسرهم بالمعاناة والحرمان والمكابدة والصراع والترقب والإنتظار. والتضحية والبطولة لا تقتصران على الأسرى فقط بل إن أهالي الأسرى يمارسون تضحية كبيرة ربما هي أكبر من تضحية أبنائهم الأسرى، ويجسدون بطولة فذة ربما هي أروع من البطولة التي يتم اجتراحها خلف القضبان، في أقبية التحقيق والزنازين وغرف السجن.

وبما أن هناك حوالي 11 ألف أسير الآن في سجون الاحتلال، يزيدون أو ينقصون، ينتمون إلى مختلف فئات وشرائح المجتمع، وبما أن هناك مئات الآلاف من الأسرى، دخلوا وخرجوا من السجون ، وبما أن السجن له معانٍ عديدة، ولأن الاحتلال هو سجن كبير، ولأن الحواجز، والجدران العازلة، ومنع التجول، وتقييد الحركة، ومنع السفر والحصار والحرمان من العلاج والموت البطيء للمرضى هي أشكال من السجن والأسر، عندئذ تبرز حقيقة مرة ودامية هي: فلسطين كلها أسيرة، فلسطين خلف القضبان.. والجدران!

 

معركة الفرح.. معركة مع الإحتلال!

بعد 31 عاماً في الأسر خرج عميد الأسرى السابق سعيد العتبة من السجن، وتزوج ، فرحت أمه به، وبعد أسبوع توفيت ، كان يُطلق على سعيد "أبو الحكم"، والآن بعد أن تزوج، وحين يرزقه الله بطفل يسميه "حكم" (وربما طفلة يسميها "حكمة" أو ما شاء له الهوى، فله الحق في رفض الأسر حتى في الأسماء !) سيرتفع منسوب الفرح لديه، فرحة الانعتاق من السجن سيضاف إليها فرحة مجيء طفل، لتستمر الحياة، وليكون ثمة من يحمل الرسالة والذكريات والمعنى، ولتمشي الدلالة شامخة: على الأرض يا حكم، ولا تضيِّعوا الحكمة والعبرة مما حصل لنا، لا تجعلوا تضحياتنا ومعاناتنا تذهب سدى!

وبعد 29 سنة في الأسر خرج المناضل سمير القنطار، انتظرته أمه طويلاً وفرحت به، وتزوج مؤخراً من الإعلامية زينب برجاوي.

لكن أم عمر البرغوثي، ماتت وهي تنادي أثناء احتضارها: "وينك يما يا عمر، وينك يما يا نائل". والآن احتل ابنها الأسير نائل محل سعيد العتبة في عمادة الأسرى جميعاً، فهو معتقل منذ 4-4-1978، دخل عامه ألـ 32 وهو في الأسر، وهو أعزب.. لكن الحاجة فرحة ( أم عمر البرغوثي ) التي كانت تنتظره لتفرح به قد رحلت!

نعي المناضل الأسير السابق سعيد شبات

وصلني مؤخراً نعي المناضل الأسير السابق سعيد شبات من غزة.. فتداعت الذكريات ، عندما كنا في سجن بيت ليد وسجن بئر السبع لفت انتباهي آنذاك وما أذكره الآن أن سعيد كان يضحك من كل قلبه، يضحك بصخب وتملأ الضحكة وجهه، لكن لا يلبث أن يحتقن وجهه، يخنقه السعال لدرجة الحشرجة، وبعد أن يهدأ تغطي غمامة من الحزن عينيه.. نعم عينيه.

العينان أهم ما في الوجه، هما بؤرة المرآة ، هل صدف وشاهدتم أشخاصاً يخفون عيونهم حتى لا يقرأ الآخرون ما بها من عارٍ.. أو خجلٍ .. أو حزنٍ.. أو دمعٍ.. أو قهر؟!

ليس صدفة أن يطفر الدمع من العينين ، ومهما حاولتهم لن تجدوا أُذناً أو أنفاً يبكي ، على العينين وقع العبء الأكبر في استقبال هذا العالم ، لقد رأتا الشيء الكثير، ومر عليهما كثير من الروائع والمهازل. كان الله في عونهما منذ النظرة الأولى.. حتى الإنطفاء.

رحل سعيد شبات، رحل قبله وسيرحل بعده أسرى سابقون آخرون ، لن يتحمل لا المقال ولا القلب ذكر كافة الأسماء، ولربما يرحل واحد منا في هذ اللحظة!

نحن الأسرى السابقين: ها نحن ننقص واحداً واحداً، نعرف من رحل، ولا نعرف من سيرحل .. من سيأتي عليه الدور غداً!

في هذه الدنيا..بنت الكلب، بنت الآه، أو بنت الإيه!.. يسهر كثيرون مع أحزانهم وحيدين، بينما الدنيا  نائمة.. أو لاهية.

 يمكن أن يكون الأسير بطلاً، لكنه قابل للحزن والهشاشة ، ويمكن أن تكون الأسيرة بطلة، لكنها قابلة للحزن والهشاشة.

تعرف الزنازين حزن الأسرى جيداً، يعرفه عبير زهر الليمون والبرتقال الذي يتسلل من البيارات الأسيرة إلى أنوف الأسرى في سجن طولكرم، تعرفه نخلة سجن عسقلان الوحيدة وسط الباحة، صديقة أحلام الأسرى وشموخهم، التي قطعتها إدارة السجن، لكنها بقيت في ذاكرة السجناء.

 ويشهد جوف الليل وتشهد زوايا البيت على هذا الحزن، حين تبكي أم أسير أو زوجة أسير، بصمت.. بعيداً عن الأولاد والأحفاد. هكذا، نخنق دموعنا، فتغدو هي الأخرى أسيرة ، ما أصعب إخفاء أو خنق الدموع.. وما أقسى اعتقال المشاعر والرغبات.

الاعتصامات الأسبوعية

قرأتُ عن الاعتصامات الأسبوعية التي تتم في الضفة والقطاع للتضامن مع الأسرى والمطالبة بإطلاق سراحهم ، شاهدت صوراً لهذه الاعتصامات، وشاركت في اعتصامات في الخارج ، والحقيقة المرة هي أن عدد الذين يشاركون في الاعتصامات قليل، إنهم أهالي الأسرى بشكل رئيسي، والأمهات على وجه الخصوص، يحملن صور أبنائهن في أياديهن، والحزن والصبر في قلوبهن، وكذلك يشارك في الاعتصامات أسرى سابقون أو أهالي أسرى سابقون، ممن اكتووا بنار الأسر والصبر، ولهم ذاكرة حية، والذاكرة الحية هي التي لا تنسى ولا تُطنِّش ولا ترتكب خيانة الألم.

 ثم ما هو كم ونوع النشاطات في داخل الأرض المحتلة وخارجها المكرسة لأجل الأسرى؟! وهل هي بمستوى آلامهم وتضحياتهم، وهل ثمة مثابرة ومراكمة وعمل منهجي في التعامل مع قضية الأسرى أم أن هذه القضية غائبة إلى حد كبير عن عقل واهتمامات وأجندات الزعماء والحكومات والمؤسسات، وإن حضرت قضية الأسرى فللإستخدام الإعلامي الضيق والمتخلف، وبشكل موسمي وبارد.. ولرفع العتب؟!

يأخذك الحزن ما بين المثل القائل "ما بحن على العود إلا قشره" والمتطلبات الأخلاقية لحقيقة أن الأسرى والجرحى والشهداء ليسوا ملكية حصرية لأهاليهم، بل هم ملكية جماعية وجزء من الضمير الجمعي للشعب وللإنسانية!

 ويزداد حزنك، حين يقول لك الروائي الليبي إبراهيم الكوني في رواية (التبر): "لا أحد يتألم نيابة عن أحد"!

لكن لا تلبث روحك أن تنتعش، حين يقوم تنيسي وليامز في مسرحية (عربة ترام اسمها الرغبة) بصفع البلادة وإعادة الاعتبار إلى الحزن:"أرني شخصاً لم يعرف الحزن، وأنا أبرهن لك على أنه ضحل وسطحي".

" يا موت، أُترك لنا أُمَّنا ! ".

لن يفهم سوى الأسرى، أو أهالي الأسرى، أو من يمتلكون حساسية إنسانية ولا يصادقون البلادة، قول أم عمر البرغوثي وهي تحتضر: "وينك يما يا عمر، وينك يما يا نائل"، وكذلك قول عيسى قراقع حين رحلت هذه الأم المناضلة: " يا موت، أُترك لنا أُمَّنا!".

لكن الموت لا يتركنا، المهم أن ننجح في اختيار معنى لحياتنا ومعنى لموتنا ، يقول غسان كنفاني في قصة "المدفع" : "كم هو بشع الموت، وكم هو جميلٌ أن يختار الإنسان القدر الذي يريد".

الموت حق، وثمة من يعتبر أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة ، الموت لا يتوقف عن العمل ، فقد رحلت العديد من أمهات الأسرى، ومنهن الحاجة صبحة أم سعدي عمار وهي واحدة من الأمهات الفلسطينيات الرائعات العظيمات اللواتي تبنينَ أسرى فلسطينيين وأسرى عرب ممن يطلق عليهم أسرى الخارج أو "أسرى الدوريات" ولا يستطيع أهاليهم زيارتهم، وقمن بزيارتهم في السجون وثابرن على التواصل معهم وتلبية احتياجاتهم، وها نحن نرى شموخ وتضحية واستمرار النضال لدى أم الأسرى الفلسطينية العظيمة "أم جبر وشاح"، أطال الله في عمرها.

لن يتركنا الموت، أيتها الأمهات، أيها الأهل، أيها الأسرى والأسيرات، فالموت حق لكن الاحتلال باطل ، نريد أن يتركنا الإحتلال، الذي نغَّص وينغِّص علينا حياتنا، ولن يتركنا الاحتلال إلا إذا أرغمناه على الرحيل، فليس لنا 11 ألف أسير فقط. ، فلسطين كلها أسيرة.

 

 وإذا لم نتعظ من ماضينا، ونعمل بهمة وذكاء في حاضرنا، سيغدو المستقبل أسيراً هو الآخر ، اعتقال المستقبل مصيبة كبرى، وهذا ما لا ينبغي أن نقبله على أنفسنا، وما لا ينبغي أن يحصل، احتراماً لآلامنا وأحزاننا، واحتراماً للأجيال القادمة وحقها في حياة حرة كريمة.

آلاف من الأسرى أفنوا زهرة شبابهم واحترقت أعمارهم وراء القضبان ، صحيح أن الأرقام تحضر هنا: يوم ينطح يوم، شهر ينطح شهر، وسنة تنطح سنة، لكن الأسرى ليسوا مجرد أرقام، وسنوات الأسر ليست مجرد أرقام، وبئس "المسؤولين" الذين يتعاملون وبئس الإعلام الذي يتعامل مع الأسرى وسنوات أسرهم على أنهم أرقام، أو مادة يتم التعامل معها فقط في المناسبات والمواسم.

 

 الأسرى وسنوات أسرهم أيها السادة "الأسرى لمناصبهم!" أو (الذين أكلوا عن سمن، ناموا على ريش، وتسلوا خلال فواجع الوطن) ليسوا مجرد أرقام. إنهم صراع إرادات.. عذاب.. تضحية.. صمود.. حرمان.. صبر.. مشاعر.. أحلام.. وانتظار. الأسير ليس لحظة، بل سياق كامل.

الأسرى قيمة من القيم الوطنية العليا، ضريبة للثورة على الاحتلال، وجزء عزيز ونفيس من الذاكرة الجمعية والضمير الجمعي لشعبنا.

 والأسرى هم ضرورة احترام، احترام للأسرى ولأهالي الأسرى وتأمين احتياجاتهم والعيش الكريم لهم، والاحترام الأكبر للأسرى هو احترام لتضحياتهم ومعاناتهم بالعمل على تحريرهم من السجن، وتأمين الرعاية والتأهيل والعمل والكرامة لهم ولأسرهم بعد السجن.

من حق الأسرى وأهاليهم أن يحلموا ويطالبوا بتحريرهم من الأسر، ومن واجب المقاومة وفصائلها أن تعمل على أسر جنود من العدو لإطلاق سراح الأسرى، وخوض صراع المفاوضات في صفقات التبادل بمهارة عالية تجمع بين مبدأية المطالب وفن إدارة المفاوضات. منذ فترة وحتى الآن ينقل الإعلام قضية صفقة تبادل الأسرى مع شاليط على هذا النحو: تم الاتفاق.. فشل الاتفاق!

تنتعش معنويات الأسرى وأهاليهم، تحترق الأعصاب وتتحرق قلوب الأمهات والزوجات والأطفال، الترقب والانتظار هم سيدا الموقف.. ثم لا شيء، الوضع بقي على حاله، والأحباء بقوا في الأسر. هبطنا من رقصة القلب إلى مرارة الخيبة: فرحة تطير بنا إلى السماء وحزن يهبط بنا إلى القبر!

 

القضية أكبر من شاليط، وأكبر من الشلاليط. لا يوجد فقط 11 ألف أسير بحاجة إلى تحرير، فلسطين كلها أسيرة وتحتاج إلى تحرير. فلسطين كلها خلف القضبان.. والجدران. والسجون التي تأسر 11 ألف من المناضلين والمناضلات الأسرى هي جزء من الاحتلال الذي يأسر ويشرد الملايين من شعبنا. من حق أم الأسير أن تفرح بتحرير ابنها من الأغلال، ومن حق فلسطين أن تفرح بيوم تتحرر فيه من الظلم والاستيطان والاحتلال. لا بد للحزينة من يوم تفرح فيه!

فلسطين الأسيرة، المثخنة، المجروحة القلب، تتأمل كل صباح وكل مساء: انشغالاتنا، إخلاصنا، سوية أعمالنا، ضمائرنا، وجدارتنا بأوصافنا وألقابنا ورتبنا ومراتبنا ومناصبنا التي خُلعت علينا وأُلصقت بنا.

 

 قضيتنا كبيرة، إهانتنا كبيرة، وجعنا كبير، وحلمنا كبير. ويجدر بشعبنا الذي يتقن التضحية والشهادة أن تكون له قيادة بمستوى هذا الشعب، بمستوى هذا الصراع، وبمستوى الآلام والآمال. قيادة مؤهلة عقلياً وأخلاقياً!

 

.. قيادة تحترم شعبها، تنجذب إلى القتال، لا الاقتتال!

.. قيادة لا تنتمي إلى الكراسي، بل إلى زيتون البلاد!



  بحث
بحث:

  النشرة البريدية
البريد الإلكتروني:


:: إلغاء الإشتراك
 

حقوق الطبع محفوظة لمركز الأسرى للدراسات

www.alasra.ps